القصة القصيرة لـ«يوسف إدريس» ..عندما يشارك الأدب المواطن العادي همومه

حقيقي أنه كانت هناك قصة قصيرة قبل يوسف إدريس، وكان هناك أدباء نشأت القصة وتطورت على أيديهم مثل محمود تيمور ومحمود طاهر لاشين وعيسى عبيد ومحمود البدوي ونجيب محفوظ ويحيى حقي، وغيرهم من الكتّاب الذين كانت لهم الريادة في فن القصة القصيرة، لكن إذا ما تحدث أ حد عن القصة القصيرة المصرية الحقيقية فسيقفون عند يوسف إدريس، فلإدريس يرجع الفضل في نقل القصة القصيرة المصرية خصيصا والعربية عموما إلى العالمية.

عمد إدريس إلى بساطة النص مع عمقه ورمزياته المخبوءة بحرفنة داخل نصوصه والتي جعلت اعماله القصصية مقروءة من الجميع، والسبب الاكبر هو تناوله لهموم المواطن العادي وما يعانيه بأسلوب رائق وسلس، لهذه الأسباب فالكثير من النقاد يعتبرون يوسف إدريس الأب الروحي للقصة القصيرة الحديثة، والمجدد فيها، فقال مثلا د. مصطفى حسين رجب ، أستاذ النقد الأدبي في حوار سابق له: إن يوسف إدريس يُعتبر من روّاد القصة القصيرة من خلال موهبته الفذة التي عانقت هموم وطموحات الإنسان المصري والعربي، وجسّدت الرغبات الإنسانية والعشق المحموم للوطن، فهو ثار على الشكل التقليدي للكتابة القصصية، واستطاع أن يؤسّس لغة خاصة به.

وقال القاص سعيد الكفراوي أيضا في حوار سابق : إن يوسف إدريس من الكتاب العرب المعدودين الذين تميزت أعمالهم بما يمكن وصفه سرديا بـ”ثبات النص”، معتبرا أن النص الثابت الذي يكرّس قيم المجتمع باعتبارها ثابتة في الزمان والمكان، ذلك النص الذي يدور في خوائه على مستوى اللغة والأداء والمعنى وعلى مستوى رؤيته للأشياء.

ولا ينكر أحد أن يوسف ادريس استطاع نقل القصة من برجها العاجي إلى لغة التخاطب اليومي، فشارك المواطن همه العادي، واستطاع أن يضفر جديلة اطرافها الهم العادي والهم المجتمعي والإبداع، فسار بالقصة إلى أنساق جديدة لم تعرف من قبله، وبالرغم من تناول إدريس لكافة الشرائح المجتمعية في قصصه لكنه ركز بقوة على نمطين هما المرأة باعتبارها عنصرا فاعلا ولا يجد حقه في الحياة من السلطة الذكورية، والنمط الثاني هم المهمشون والتائهون في نفق الحياة المظلم.

كتب الدكتور يوسف إدريس ثروة أدبية حقيقية مكونة من عشرين مجموعة قصصية، وخمس روايات، وعشر مسرحيات، ومن أشهر أعماله القصصية “أرخص ليالي”، و”جمهورية فرحات”، و”أليس كذلك”، و”البطل”، و”حادثة شرف”، و”النداهة”، و”بيت من لحم”، و”قاع المدينة”، و”لغة الآي آي”، و”مشوار”.

وقد تناولت السينما المصرية الكثير من أعماله وتحديدا 11 فيلماً أهمها: “لا وقت للحب” عام 1963م وهو مأخوذ عن روايته “قصة حب” الصادرة عام 1957م، و”الحرام” عام 1965م، وهو مأخوذ عن روايته “الحرام” الصادرة عام 1959م و”العيب” عام 1967م ، وهو مأخوذ عن روايته “العيب” الصادرة عام 1962م، و”حادثة شرف” عام 1971م ، وهو مأخوذ عن قصته “حادثة شرف” من المجموعة التي تحمل العنوان نفسه، و”النداهة” عام 1975م ، عن قصته “النداهة” من مجموعته التي تحمل العنوان نفسه، و”ورق سيلوفان” عام 1975م، عن قصته “ورق سيلوفان” من مجموعته “بيت من لحم” الصادرة في العام 1971م.

وبالرغم من كتابة يوسف إدريس للرواية والمسرح، لكنه يظل نقطة النور في النفق المظلم في القصة القصيرة، ، فعندما نشر أرخص ليالي عام 1954 وجدت ترحيبا كبيرا من القراء، وأصبح الاسم اللامع في القصة القصيرة إلى جانب محفوظ في الرواية، وعلى يديه انتقلت القصة القصيرة إلى لحظة انسانية اعتمد فيها على المفارقة وتجاوز فيها فنون السرد العادي التقليدي وكرس لأساليب جديدة متخطيا العقبات التي كانت تتمثل في لغة القص واختزال النص.

تميز قلمه بالدقة والتركيز فلم تعرف قصصه الإسهاب ولا الإطناب والمط بغير لزوم والذي كان يلجأ إليه أدباء عصره، كما كان عبقريا في دراسة النفس وخلجاتها والوقوف على نقاط قوتها وضعفها، وبرع في تصوير أدق لحظاتها ربما لقربه من الإنسان في أضعف حالاته النفسية، فصور البنت التي تحمل أرغفة الخبز، والفلاحة والفلاح والمشاكل المجتمعية الخافية عن الأعين وأظهرها للعيان في لحظات الصدق والكره وكل الانفعالات، لذلك راحت قصصه تجد رواجا عاليا لأن كل من يقرأها يجدها في نفسه.

مال يوسف إدريس للصدق باعتباره الموصل الجيد للحكي، فكتب الصدق وبصدق، فوصل إلى القارئ العادي، ليس القارئ المهتم بالكتابات فقط وإنما من الجمهور غير القارئ في الأساس، الجمهور الذي لا يعرف السينما، ولا الروايات ولا القصص القصيرة، ونظرا لأن قصصه كانت تتماس مع كيانات الإنسان العادي، فقد قررت قصص له مثل نظرة وغيرها على صفوف الطلبة بالمدارس المصرية، وزاد معرفة لدى الشباب والأجيال الناشئة، الأمر الذي ساهم وبقوة في تواجده في العقل المصري لدى كل الاجيال المتتابعة، والتي لم تعاصره.

تعامل إدريس أيضا مع المفردات كأنها كائن حي ينتقيها بعناية ليوظفها في النص، فمن المعروف أن اللغة العربية شائكة ومليئة بالمترادفات، وأن وجود المفردة في عكس سياقها قد يضرب الجملة كلها في مقتل، ومن هنا برزت براعته في التوظيف للمفردات، فكان قادرا على الاختيار وبعناية، ولأنه تخصص في الطب النفسي وعرف ثغرات الانفس البشرية، فقد راح يضرب ويكشف بأدق التفاصيل الأمرالذي أهله ليكون سيد القصة القصيرة المصرية والعربية وأميرها بلا منازع.




 تعليقاتكم

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

CONTENT MAK Company
الهمة
 كبريتة | حنولعها  محطتك إلى المشاهدة الرايقة .. مستقبل التلفزيون