رئيس مجلس الإدارة : رشا الشامي

رئيس التحرير : أسامة الشاذلي

وهم القروض الحكومية.. “طلعت حرب مش راجع”

“إن فاتك الميري إتمرمغ في ترابه”.. مثل شعبي قديم، يؤمن به الغالبية العظمى من الشباب في مصر، ممن فاتهم قطار التوظيف الحكومي، فيحاولون اللحاق بأي فرصة حكومية يتم الإعلان عنها، سواء كانت شقق للإسكان الاجتماعي أو قروض مالية، على غرار “اللي يجي منه أحسن منه”.

لكن كثيرًا ممن هرولوا خلف تلك القروض الحكومية تحديدًا، التي بدأ الإعلان عنها منذ منتصف عام 2014، لم يكونوا يعرفوا إنها مجرد أوهام لا أكثر، بعدما حاولوا الحصول عليها وسعوا خلفها لسنوات عدة وخسروا بسببها الكثير من الأموال، وتبين لهم إنها أكذوبة كبيرة تتجمل بها الحكومة أمام الشباب.

حكايات مآساوية لشباب خاضوا تجربة الحصول على القرض الحكومي بكل أنواعه، وكان الفشل حليفهم بعدما غرقوا في دوامة من الروتين والشروط التعجيزية التي يستحيل تطبيقها، كشفت عبرها “المولد” كيف أصبح الشعار “طلعت حرب مش راجع”، بعدما وثقنا وهم الحصول على القرض الحكومي في ثلاث مشروعات وهي: “طلعت حرب راجع، مشروعك، جمعيتي”.

طلعت باشا حرب مؤسس الإقتصاد المصري

شروط القرض تصدم الشباب.. ومحمد: “طلعت حرب مش راجع ده كلام إعلانات”

“محمد صلاح الدين”، 25 عامًا، أحد الشباب الذين إنساقوا خلف حملة “طلعت حرب راجع” التي غزت الكباري والطرق بـ”لافتات” عملاقة، وآثارت جدلًا واسعًا خلال عام 2016، وأعلن وقتها أن بنك مصر بالإتفاق مع البنك المركزي، سيقوم بتقديم قروض للشباب تبدأ من 10 آلاف حتى 100 ألف جنيهًا بفائدة 28%.

“صلاح” تخرج من كلية التجارة عام 2015، وقرر الإستعانة بتلك القروض للبدء في مشروع تجاري، إلا إنه تفاجىء بوجود شروطًا تعجيزية طغت على كل التسهيلات المعلنة التي وصفها بـ”الكاذبة”.

محمد صلاح الدين

يحكي لـ”المولد”: “لما روحت البنك بسأل على قروض طلعت حرب، لاقيت سخرية غريبة جدًا من الموظفين، اللي يقولي أنت بتصدق الكلام ده، طلعت حرب مات خلاص، واللي يتريق ويقول استنى اشوفهولك في الدرج، فكان واضح إنهم عارفين بالتعجيزات الموجودة”.

يؤكد إنه كان مستوفي جميع الأوراق من ضرائب ومبيعات وسجل تجاري، إلا أنه صُدم من أول شرط بالقرض، وهي أنه لا بد أن يكون ربح المشروع الشهري المُقدم له القرض 100 ألف جنيه، و الربح السنوي مليون جينهًا: “أصلًا القرض بـ50 ألف جنيه وأنا لو شاب ومشروعي بيطلع ربح شهري 100 ألف جنيه هاجي أخد قرض ليه؟، مقدرتش طبعًا أخد القرض لأن شركتي شبه مفلسة ومش هقدر أطلع ربح شهري بالمبلغ ده”.

كيف حطمت “نسبة المشاركة” أحلام “أحمد” في الحصول على القرض؟

“صلاح” ليس الشاب الوحيد الذي علم أن “طلعت حرب مش راجع”، فهناك “نادر أحمد” الشاب الثلاثيني، الذي تخرج من كلية الخدمة الاجتماعية، وأسس شركة برمجيات في منطقة مدينة نصر، وأراد افتتاح فرعًا آخر لها، فاتجه إلى قروض طلعت حرب خلال عام 2014.

“نادر” استوفى جميع الأوراق المطلوبة، وقدمها إلى بنك مصر، إلا إنه تفاجىء بوجود شرط عن نسبة المشاركة بلغت 30%، بمعنى أن يدفع طالب التمويل تلك النسبة من قيمة القرض، فإذ كان القرض المطلوب 50 ألف جنيهًا، فلا بد أن يدفع الشاب 30% من قيمته قبل الحصول عليه وفقًا لنظام الـ 5% المتبع في بنك مصر.

نادر أحمد

يقول: “كنت عايز قرض 200 ألف وشرط نسبة المشاركة يخليني أدفع 60 ألف قبل أي حاجة، وخضت دوامة من الإجراءات والبنك عايز يمضيني على شيك بنسبة المشاركة قبل الاستلام، الموضوع طلع فشنك فيه قروض بس شروطها مستحيل”.

مغامرة لـ”المولد” تكشف حقيقة الشروط التعجيزية للقروض الحكومية

“المولد” لم تكتف فقط بشهادات وتجارب الشباب مع القروض الحكومية، ولكن تأكدنا من جود تلك الشروط التعجيزية من خلال مغامرة قامت بها “معدة التحقيق”، عبر الاتصال بخدمة العملاء الخاصة بـ”بنك مصر” على رقم 19888، للتقديم على قرض، واتضح أن تلك الشروط حقيقة بالفعل، وأن كل مشروع لا بد له من رأس مال وربح شهري يتحدد حسب قيمة القرض.

وأوضحت خدمة العملة، إن كل القروض التي تزيد عن 25 ألفًا يكون لمشروعها رأس مال وربح شهري محدد، فإذ كان القرض المطلوب 50 ألف جنيهًا، فلا بد للمشروع برأس مال وربح شهري 50 ألفًا جنيهًا.

البوستر المستخدم في الترويج للقروض

وبالاستفسار، عن أن أي شاب يبدأ مشروع خاص لا يستطيع أن يكون ربحه الشهري 50 ألفًا جنيهًا، أكد البنك لـ”محررة المولد” أنها شروط منصوص عليها ولا يمكن مخالفتها وعليها الرجوع إلى الفرع الرئيسي للبنك.

“هاني” 6 أشهر في دوامة الحصول على قرض.. والنهاية خسارة آلاف الجنيهات

“هاني عبدالرحمن”، شاب في الثلاثين من عمره، أغرته مثل كثير من الشباب، إعلانات القروض الحكومية التابعة لـ”مشروع مشروعك”، الذي أطلقته وزارة التنمية المحلية بالتعاون مع البنك المركزي في 2015، بقروض تبدأ من 25 ألفًا إلى 2 مليون جنيهًا، للمشروعات الصغيرة للشباب.

يقطن “هاني” خريج كلية التجارة، في منطقة الدقي، افتتح عام 2011 شركة صغيرة خاصة بالدعايا والإعلان، إلا أن التعثرات المادية أوقفت مشروعه، فحاول إحياؤه بذلك القرض (50 ألف جنيهًا)، لكن انتهى به المطاف بالعمل كسائق أجرة.

يحكي الشاب لـ”المولد” قائًلا: “المُعلن عن القروض الحكومية غير اللي موجود في الواقع، فيه تعقيدات وتعجيزات وحاجات مش منطقية، الموظف طلب مني إحضار سجل تجاري خاص بالشركة، وبطاقة ضريبية ورخصة ممارسة النشاط وعقد الإشهار وتأمينات ومديونية وشهادات تثبت أن الشركة لديها رصيد بنكي يحميها من الإفلاس، وأنا كشاب لو عندي رصدي بنكي يحمي مشروعي من الإفلاس هروح أخد قرض حكومي ليه؟”.

هاني عبدالرحمن

يؤكد “هاني” أن البنك الأهلي الذي كان سيعطيه القرض أصرّ على وجود حساب بنكي خاص بالشركة، ودراسة جدوى مستوفية لكل ما يدور بها، إلى جانب ميزانية عن أرباح الشركة منذ أن افتحتت عام 2011، وهو ما سيكلفه أكثر من 10 آلاف جنيهًا كي ينفذ شرطًا واحدًا من شروط القرض.

يوضح “هاني” أن البنك طلب منه تقديم رخصة إنشاء للمنزل الذي يسكن فيه طالب المشروع، وهو أمر مستحيل الحصول عليه نظرًا لقدم المنزل ووجوده في الحي منذ عشرات السنوات.

يختتم: “طلع كما أن القرض بنأخده 40 ألف، مش 50 زي ما أعلنوا، الموضوع كله طلع بروباجندا، أنا دفعت 10 آلاف عشان أخلص الورق وفي الآخر مخلصش، أجيب أوراق للحي يبعتني للبنك البنك يقول الورق ناقص نرجع للحي يقولنا ورق البنك هو اللي ناقص، لحد ما الشاب يقعد يصرف يصرف وفي الآخر يزهق وميخدش القرض”.

مدير برنامج مشروعك: “الاجراءات تنتهي في 48 ساعة”

بالرغم من أن “هاني” ليس الحالة الوحيدة الذي رصدها التحقيق ولم يتم سردها، إلا أن المهندس محمد هيكل، المدير التنفيذي لمشروع “مشروعك” بالقاهرة، أكد أن المشروع يهدف إلى إقراض الشباب لإنشاء مشاريع صغيرة ومتوسطة، وتم تسهيل كافة التراخيص حيث يتم منحها في وقت لا يتجاوز ٤٨ ساعة وفقًا له.

معاذ: “صرفت 20 ألف جنيه عشان أخد قرض بـ 50 ألف جنيه”

“معاذ الدين”، شاب في آواخر الثلاثينات من عمره، صار في رحلة الحصول على قرض مشروع “جمعيتي” الخاص بإنشاء مجمعات استهلاكية، وقدم طلبًا مع دراسة جدوى للمشروع، فأرسل له الصندوق الاجتماعي شروطًا بالمطلوب.

من الضرائب إلى السجل التجاري إلى البنك والصندوق الاجتماعي قضى “معاذ” عامًا كامل في رحلة تجميع الأوراق، دفع خلالها إيجارًا شهريًا لمحله رغم إنه “على البلاط” وغرق في سلسلة أوراق، تأمينات وضرائب ورخص وكشف طبي وأمن صناعي وخلافه.

الصندوق الاجتماعي الذي يعطي الشباب تلك القروض لإنشاء المجمعات الاستهلاكية، يطلب منهم تشكيل هندسي معين للمحل بإن يجهز على أعلى مستوى، ونوعًا خاص من “الفتارين” والسيراميك، مضيفًا: “كل دي تجهيزات والمحل لسه مشتغلش أصلا، بندفع كهرباء وغاز وتوضيب، كل ده كلفني 20 ألف عشان أخد قرض بـ50 ألف”.

يختتم الشاب الذي لازال حتى كتابة تلك السطورغارقًا في بحر من الأوراق والتعقيدات دون جدوى حديثه قائلًا: “تجربة صعبة جدًا لحد دلوقتي متعلق فيها لا مني خدت المشروع ولا مني استرديت فلوسي ووقتي ومجهودي”.




 تعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

CONTENT MAK Company
الهمة
 كبريتة | حنولعها  محطتك إلى المشاهدة الرايقة .. مستقبل التلفزيون