هل نريد فعلا القضاء على الشر ؟

الشر

دائما كنت اسمع جملة الشر حتمي لوجود الخير، وعرفها الكثير على أنه التناقض فلولا الأسود لما رأينا الأبيض ولو الأعلى لما عرفنا الأسفل وهكذا وبذلك يكون الشر ضروري لخلق حالة التباين التي تلهمنا ماذا نفعل ومتي ومع من.

وهناك تفسير أخر أن الشر موجود لإتاحة الاختيار واختبار النوايا، بمعنى أنه يجب أن يكون هناك صراع ليس صراع الخير والشر ولكن صراع داخل الإنسان بين الطريقين، فصدقا لا فريق في الحياة يمثل الخير وفي المقابل فريق أخر يمثل الشر بل نحن نمثل بداخلنا الخير والشر.

ولكن في رأيي أن تفسير الخير والشر بهذا المنطلق ربما غير مرضي بشكل كافي، بل بالعودة إلى بداية الصراع وفق لروايات الأديان المختلفة، حينما خلق أدم كان أول فعل خارج الناموس السائد وقتها، الفعل الأول كان شرا، كان وسوسه إبليس وقصة التفاحة الشهيرة، ليكون رد فعل الخير هو التوبة والصلاح.

وقياسا على هذا ستجد أن الخير هو دوما رد الفعل على كل الأفعال الشريرة، فلولا شر أخوه يوسف وإلقاءه في البئر لما سار عزيز مصر، والأمر كذلك مع موسى عليه السلام فلولا خروجه من مصر لما حدث كل ما بعد ذلك وقياسا على ذلك في كل القصص المقدسة.

الشر هو المحرك الدائم للأحداث، وبذلك تظل الدائرة تسير في مدارها، فعل ورد فعل وهكذا دواليك، ولكن ببساطة ستجد أن الخير ليس فاعل أول في الاحداث ولكنه ببساطة دوما رد فعل، وفي كل معركة هل يقتل الخير الشر؟ الحقيقة أن ما يحدث هو الخروج من الأزمة ليس إلا.

والسؤال هنا هل من مصلحة الخير أن يقضي على الشر؟ الحقيقة أن في تلك اللحظة لن يكون هناك خير، لن نرى خير، فلا فعل يجعل الدائرة تدور وتستمر في الجريان، ببساطة كيف يستقيم الأمر إذا أغلقت المحرك؟ لن يستقيم، بل ستجد ببساطة أن معسكر الخير -مجازا-سيخلق الشر بنفسه فقط لتستمر الحياة.

فقط نحن لا نحاول القضاء على الشر، نحاول الفكاك منه، الشر هو الأبدي الوحيد في هذه الأرض، لا موت فيه ولا خلاص، ربما يختفي قليلا أو يتوارى ليعود أشرس، لن تجد أبدا مأزق مشابه للأخر، هو المجدد دائما، وربما تجد في الحياة نفسها أناس كانوا على وشك القضاء نهائيا على الشر المقابل لهم، ولكن ببساطة لا يفعلون هذا يخلقون كلمات التعاطف أو التسامح أو العفو عند المقدرة.

اعتقادي أننا ولدنا بتلك الكلمات التي تجعلنا نترك الشر ليحيا، ربما أحيانا نتركه يعيش فقط لنضمن أننا لا نتحول إلى أشرار، ولكن في حقيقة الأمر نحن أيضا أشرار وخيرين في نفس الوقت نحن أيضا نتبادل الأدوار ولا نقضي على الشر بداخلنا فقط ليستمر الصراع داخلنا.

كي تستمر الحياة لا أكثر ولا أقل دائرة مفرغة ندور فيها ويدور فيها الكون منذ البداية إلى النهاية، ولكن الغريب أن النهاية نفسها تأتي بعدما يقضي الله بزوال الشر فلا تستمر الحياة أكثر من هذا، فلا معنى لاستمرارها من الأساس دون محركها، لذلك نحن أحرص الناس على وجوده بيننا.




 تعليقاتكم

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

CONTENT MAK Company
الهمة
 كبريتة | حنولعها  محطتك إلى المشاهدة الرايقة .. مستقبل التلفزيون