نور عبد المجيد .. نكتفي بهذا القدر

نور عبد المجيد

بصفتي متابعة للحركة الدرامية في مصر، وكذلك الحركة الأدبية، أطالع يوميا أخبار عن مسلسلات يتم تصويرها، ومسلسلات تعرض لأول مرة علي القنوات المشفرة ثم القنوات المفتوحة، مخرجيها وممثليها ومؤلفيها، هل هي نص أصلي أم مأخوذة عن نص أدبي، وهكذا، في الماضي، طالعت أخبار عن رواية ذاع صيتها في أوساط النساء، لكاتبة “سعودية” الجنسية، اسمها “أريد رجلا” وانتشرت الأخبار عن تحويلها لعمل تليفزيوني من ستين حلقة، بطولة “مريم حسن” و”إياد نصار”، كعادتي لا أطيق الانتظار، وهرعت لقراءة الرواية الأصلية، التي تم تحويلها لمسلسل.

القارئ المحترف مثلي، ومع عدد الروايات التي يقرأها يستطيع ببساطة التمييز بين العمل الأدبي المحكم البناء والعمل الأدبي المهلهل فكريا، ضعيف روائيا ومكتوب فقط لأغراض أخري، فلا يصح مثلا أن نقارن أعمال “جابرييل جارسيا ماركيز” بسلسلة روايات “خمسون ظلا للرمادي”، ولا يصح أن نقارن أعمال “احسان عبد القدوس” وهي روايات مغرقة في الرومانسية، بأعمال الكاتبة “نور عبد المجيد”، فرومانسية احسان، مختلفة عن أعمال ساذجة لمؤلفة أكثر سذاجة، يبدو أن معرفتها بالحياة كانت عن طريق أفلام الأبيض واسود.

قرأت لها ثلاث روايات: أريد رجلا – أنا شهيرة – أنا الخائن، والحق يقال الروايات تشابهت واختلفت فقط أسماء الأبطال، وأقسم برأس جدتي أنني ان قرأت الرواية الرابعة والخامسة والسادسة لتوصلت لنفس النتيجة، كلها نفس الشيء، بنفس السذاجة. يبدو أن “نور عبد المجيد” لم تقرأ يوما ما عن البناء الدرامي، ولم تحتك سوي بأشرار السينما المصرية القديمة، عالمها محاط بفتيات نحيلات الخصر، كلهن يشبهن فاتن حمامة، والرجال في عالمها كلهم رشدي أباظة، جميعهم فرسان على الحصان الأبيض.

“سليم” و “رؤوف” شديدي الوسامة، رفيعو المناصب، تربيتهم رفيعة، أخلاقهم لا غبار عليها، فاحشو الثراء. “أمينة” و “شهيرة” جميلات الشكل، رقيقات الطبع، يتيمات توفت أمهن، والدهن طيب، يحبه الجميع، يعمل الخير في صمت، إلخ إلخ إلخ… كلا البطلتين تحب رجلها بشدة، تحيا معه بحياة مثالية، الجميع يبارك الزيجة، الفرح أسطوري، شهر العسل خيالي، ودائما وأبدا، هناك من يعشق البطلة في صمت!

رواية “أنا شهيرة” مكونة تقريبا من 300 صفحة، وأنا أقرأها، وقد شارفت على الصفحة 295 تقريبا كل شيء كان يبدو على ما يرام، حياة البطلة والبطل مثالية والحب سيد الموقف، تساءلت: أين البلوت تويست؟، ثم بدأت أتأفف، حتي حنت نور عبد المجيد أخيرا ووضحت لنا ماذا حدث، ثم انتهت الرواية! قبل هذا كله، صفحات طويلة تصف شهيرة فيها جسدها الجميل، صفحات طويلة تصف ماذا سترتدي، صفحات طويلة وهي تصف معاناتها في غياب رؤوف، وصفحات أطول فيها وصف وباستفاضة حول علاقة “شهيرة” و”رؤوف” الحميمية! أصابني الملل الشديد، ولأنني غير معتادة ألا أكمل رواية، فقررت رغم ضجري الشديد استكمالها، عملا بمبدأ “خلينا ورا الكذاب” لعل وعسى تقع عيني علي شيء حقيقي يستحق القراءة.

أما عن رواية “أريد رجلا” فلم نبتعد كثيرا، “أمينة” وفساتينها، وخيالاتها الجنسية، وعلاقاتها مع “سليم” ومنزلهما، وأمها الراحلة، كلها ثرثرة فارغة، احتلت تقريبا 90% من صفحات الكتاب، ثم تأتي النهاية التي تتشابه كثيرا مع نهاية “انا شهيرة” فبرغم كل الحب الذي أغرقها فيه البطل “سليم – رؤوف” وكل العطف، والمستوي الاجتماعي الفاخر التي تحيا فيه، والتي تحلم بربعه كاتبة هذه السطور، تقوم البطلة بأغرب رد فعل، رد فعل بعيد تماما عن الطبيعة الإنسانية، المتسامحة بطبعها، وبعيدة حتي عن القلب الطيب التي صورته لنا الكاتبة، فأمينة لما اكتشفت زواج “سليم” من أخري في الصعيد، رفعت دعوي علي “سليم” لأنها تريد ذكرا، و”شهيرة” تسلم جسدها بكل بساطة للشخص الذي طالما أحبها من طرف واحد!

نهايات محيرة لا تعبر إلا عن قلب ملأه الحقد، حاولت أن أتعاطف مع البطلتين لكنني فشلت، وضعت نفسي مكانهما، فوجدت أن جل ما يمكنني عمله هو “القمص” قليلا، البكاء كثيرا، ثم سأصبح جاهزة لجلسة عتاب ولوم وشجار مع شريكي وزوجي، لكن بالتأكيد لن أذهب لأرفع عليه دعوي لأنه لا ينجب “أولادا” ولن أذهب لأرد له الخيانة، في الحقيقة مفهوم رد “الخيانة” هو مفهوم عقيم، قاصر، لن يتأتى سوي من فكر قاصر كفكر كاتبة تلك الروايات.

أما عن الشخصيات في روايات ” نور عبد المجيد ” فحدث ولا حرج، كلها شخصيات مسطحة، أحادية الاتجاه، الطيب طيب حتى النهاية، لا يغضب، لا يثأر لا ينفعل حتى، ولا يتبق له لا علان طهره سوي طوق ملائكي وهالة من النور، اما عن الشخص الشرير فهو شرير علي طول الخط، الجميع يقعون في الحب، حتى العجائز أمام نار المدفأة يحبون، لا مشاكل صحية، لا مشاكل مادية، لا مشاكل في العمل، السيارات في متناول الجميع، لا ازدحام في السير، رغم سير الأحداث في مصر، لكنها يبدو أنها مصر أخري غير التي نعرفها.

الحق يقال روايات ” نور عبد المجيد ” ركيكة، بل أننا نظلمها كثيرا أن أطلقنا عليها لقب “رواية” هي أقرب لزاوية “بريد الجمعة” للراحل “عبد الوهاب مطاوع” مع الفارق، فبريد الجمعة كان محبوك العبارات، منمق الألفاظ، تماما ككتب الراحل الجميلة، لكن كتب نور عبد المجيد مصنوعة خصيصا للمراهقات، تداعب مشاعرهن البريئة، وتخدرها، تغيبها عن الوعي، وعن الواقع الذي نحيا فيه، تماما كروايات “فيفتي شيدز أوف جراي”، التي كتبتها صاحبتها بناءا على شخصيات من سلسلة كتب “توايلايت”! استقت “نور” جميع شخصياتها من أفلام قديمة، وخرجت علينا بكتبها، ومسلسلاتها التي تملأ ساعات من اللا شيء في القنوات، والجميع يخضع لهذا التخدير المتعمد.




 تعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

CONTENT MAK Company
الهمة
 كبريتة | حنولعها  محطتك إلى المشاهدة الرايقة .. مستقبل التلفزيون