رئيس مجلس الإدارة : رشا الشامي

رئيس التحرير : أسامة الشاذلي

ما تيسر من سيرة الريس بيرة .. مكتشف عدوية الذى كتب أكثر من ألف أغنية ومات فقيرًا

الريس بيرة

المعلم

مشهد (1)
«لو عاوز تنجح في مصر، غنّى زي الواد أحمد عدوية (السح الدح إمبو)»، قالها الشيخ «كشك» ممتعضًا في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، في إشارة «ساخرة» منه لمّا حققته تلك الأغنية الشعبية من نجاح استمر لفترة طويلة، حوّلت مسار «عدوية» من «الواد» إلى «مطرب شعبي» ناجح.
مشهد (2)
هُناك رواية أخرى يقولها «عدوية» بنفسه في لحظات السمَر، عن أغنية «السح الدح إمبو»، تتعلّق بغناء عبدالحليم لتلك الأغنية في إحدى المرات، حسبما روى «عدوية» في أحد لقاءاته التلفزيونيّة بنبرة فخورة: «مرة روحت فرح في فندق الباشوات (الهيلتون)، أول ما دخلت لقيت حليم بيغني (عمّ يا صاحب الجمال- مقدمة السح الدح إمبو)».
استطاعت أغنية «السح الدح إمبو» أن تغيّر مسيرة «عدوية» تمامًا، وكأنها «تعويذة» لا يعرف سرها سوى من صنعوها، ففي ذلك الوقت، ثمانينات القرن الماضي، كانت القاهرة تختنق إثر الضغوط الاقتصادية، وفجأة من وسط الزحام، جاء عازف «رق» نشأ في أحضان شارع محمد علي، وصنع أغنية تتضمنّ مفردات شعبيّة خالصة، حتى باع مليون نسخة من أسطوانتين «السح الدح إمبو» و«بنت السلطان».
لم تُغير «السح الدح إمبو» مسيرة «عدوية» فقط، وإنما مزاج المصريين بالكامل، بعد أنّ كان يستمع إلى أغنية شعبيّة تُرجح كفة «عدوية» محمد رشدي تارة، و«عيون بهية» لمحمد العزبي تارة أخرى. ورغم ذلك، لم يتغيّر مشوار مؤلف الأغنية الأصلي، خليل محمد، الشهير بـ «الريس بيرة».
«الريس بيرة»، رُبما لم تسمع هذا الإسم من قبل، لكنه صاحب كلمات «السح الدح إمبو» بجانب أغنيات أخرى كثيرة، رجُل شرِب مفردات كلماته من وحي حي الحسين الشعبيّ الذى نشأ فيه، كان رأس ماله «مزاجه»، نعم فقط المزاج يدفعُه نحو الكتابة.
في حوار نُشر قبل سنوات على صفحات «الجمهورية»، قال «الريس بيرة»: «أنا أحسن من شكسبير»، بالرغم من بساطته الشديدة، كان يعرف قيمته، صحيح أنه لم يعرف طريق القراءة والكتابة، إلا أنه احتفظ في رأسه بثقافة تزِن ألف كتاب، اكتسبها من الشارع واستطاع ضخّها إليه مرة أخرى، فكتب يقول:
«عمّ يا صاحب الجمال
ارحمني دنا ليلي طال
شوف لي جمال على قد الحال
يعوض صبري اللي طال»

في منتصف الثمانينات، فكَّر مؤسس شركة «صوت الحُب»، عاطف منتصر، في إنتاج أسطوانة تضُم الموال الشعبي، وكانت الخطوة الثانية، البحث عن صوت مناسب حتى وجد «عدوية» في ملهى في شارع الهرم، وقابله فيما بعد داخل مكتبه لكي يتفق على الأجر المُناسب، ولكنه فوجئ بالمطرب الشاب يغني «السح الدح إمبو»، فأعجب بالأغنية وقرر تسجيلها على الفور.
وعن معنى مطلع الأغنية «السح» تعني البكاء بشدة، و«الدح» تعني الإعياء، أما «امبو» تعني الشرب، وهي جملة تُراثية غناها «شكوكو» من قبل في أغنية تحمل الاسم نفسه، فأخذ «الريس بيرة» المطلع فقط، واستكمل باقي الكلمات بمفردات طازجة.
حصل «عدوية» حينها، وفقًا لرواية «منتصر» على 15 جنيهًا، فيما حصل ملحن الأغنية، الشيخ طه على مثلهم، أما «الريس بيرة» فكان الأقل حظًا، حيث أخذ 10 جنيهات فقط، وبعد ذلك، نجحت الأغنية نجاحًا كبيرًا، ففي نفس اليوم الذى طُرحت فيه، نفذت ألف أسطوانة قبل حلول المساء.
لم نعرف الكثير عن سيرة «الريس بيرة» فيما بعد، سوى أنه ألف عدد كبير من الأغنيات، وصلت للألف تقريبًا، ولكنهُ لم ينل مكانته الطبيعية في الفن، بلّ وصل الأمر فيما بعد إلى ساحات المحاكم، حيث دار الخلاف بين «عدوية» و«الريس بيرة» حول صاحب الأغنية الحقيقي، أهو «بيرة» بالفعل أم كتبها «عدوية» ووضع اسم السيد عليها، ولكن يبدو أن الأمر حُسمَ فيما بعد، حيث يوجد اسم «الريس بيرة» كمؤلف للأغنية على اسطوانة الشركة المنتجة.
وفي 2008، ظهر إسم «الريس بيرة» على السطح مرة أخرى، عندما أرادت المغنية اللبنانية، دومنيك، غناء «السح الدح إمبو»، حيث نقل عنهُ الصحفي، خالد فؤاد، عندما التقى به على فراش المرض، أنه مندهش من غضب «عدوية» لكون دومنيك لم تستأذنه بينما لم يغضب هو رغم كونه الاب الشرعى للاغنية بصفته مؤلفها وملحنها ودور عدوية اقتصر على الأداء فقط.
في العام نفسه، توفى «الريس بيرة» عن عمر ٨٦ عامًا، بعد أزمة قلبية فاجأته أثناء وجوده في نقابة الموسيقيين، حيث لفظ أنفاسه في أحد مستشفيات الزمالك، شُيعت الجنازة من حي الحسين، أرجأت الأسرة الإعلان عن موعد العزاء عندمّا تتكفل النقابة بالمصاريف. اكتفت الجرائد بخبر صغير في الزوايا الداخلية، ظنّوا أنه لن يتذكره أحد، عاش ومات موليًا «مزاجه» وموهبته شطر الفن ومعطيًا ظهره للمال والشهرة.

 تعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

CONTENT MAK Company