رئيس مجلس الإدارة : رشا الشامي

رئيس التحرير : أسامة الشاذلي

كلمة ونص : في الليلة الظلماء نفتقد البدر

كلمة ونص : في الليلة الظلماء نفتقد البدر

طارق الشناوي

عشر سنوات باعدت بيننا ومجدي مهنا الكاتب الصحفي الكبير، صاحب القلم  النادر القادر على أن ينفذ للعمق بدون أن ينزف بقعة دم واحدة ، فور سماع خبر الرحيل كتبت في رثائه ( بعضي يشيع بعضي ) فلقد كان الصديق الأقرب .

مجدي مهنا _من وجهة نظري _ كان ولا يزال الألفة في جيل الصحافيين الذين بدأت أولي ومضاتهم الإبداعية في الثمانينيات، كتب في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك  ، وكان مهاجما شرسا ضد الفساد والتوريث  ، استطاع أن يحظى باحترام الجميع ، حتى من انتقدهم بضراوة ،لأنه كان يكتب ما يراه أنه الحق ولم ينتظر  يوما شيئا من أحد.

 غادرنا في مثل هذه الأيام ، مع مرور الزمن يصبح علينا الواجب مضاعفا لأحياء الذاكرة  ، هناك قطاعاً من القراء وسط إيقاع الحياة السريع، ومع  انتشار ثقافة الصورة وغياب الرؤية التي ترصد وتحلل الابداع ، ربما في كل هذا الزحام لن يتذكروا مجدي  ،  فهو بين عدد محدود جدا من الكتاب الذين يستحقون قراءة متأنية لرصد أسلوبه ككاتب  يحمل ومضة خاصة ، فهو لم يستعر أبدا أصابع أحد .

  سقراط  كان يقول لتلاميذه  (تكلم حتى أراك) .. الكلمة هي التي ترسم لنا ملامح من يتكلم وكان صديقي وكاتبي المفضل “مجدي مهنا” يكتب يومياً بابه “في الممنوع” في “المصري اليوم ” وقبلها في “الوفد ” حتى الذين لا يعرفونه كانوا يرسمون له صورة في وجدانهم ، في قناة “دريم” كنا  نشاهد “مجدي” في مساحة دائمة على شاشتها  وأتمنى وسط هذا العك الفضائي الذي يسيطر على المشهد ، أن نري مجددا مجدي في تلك البرامج التي كان يستضيف فيها كبار رجال دولة مبارك ولا يتحرج في أن يوجه لهم اكثر الأسئلة  سخونة ومشاغبة ولكنه  أبدا لم  يتجاوز في حق أحد .

 غاب “مجدي مهنا” ورأيناه أكثر ألقاً وجمالاً وتأثيراً.. فهو ليس مجرد كاتب لامع  صاحب اسلوب جذاب ، بل أصبح  جزءاً معبراً عن معنى الشرف والقيم والمبادئ والاحترام.. كان لا يكتب إلا ما هو مقتنعا به ، ليس لديه خصومة  دائمة ولا صداقة  دائمة ،الكبار منهم كانوا كثيراً ما يطلبون وده، لكنه كان ينسحب بأدب وابتسامة دافئة.

 عرفت “مجدي مهنا” قبل 35 عاماً تزاملنا في كلية الإعلام ،وذهبنا إلى مجلة “روزا ليوسف” معاً بدون أن نتفق بل وكان بيننا أكثر من تحقيق صحفي مشترك ، وانتقل “مجدي”  بعدها للعديد من الصحف.. مشوار مجدي هو مؤشر على هامش الحرية المتاح ،  فلقد كانت “روزا ليوسف” هي قلعة الحرية بالقياس للجرائد والمجلات القومية فذهب إليها ، ثم ضاقت بما يكتبه فاتجه إلى “الأهالي” ،ثم كانت الانطلاقة الكبرى له على صفحات “الوفد” وبدأ يكتب بابه “في الممنوع” وهو أول كاتب في جيلنا يكتب “عمود يومي ثابت  وقفز إلى موقع مدير التحرير ثم رئيس التحرير وبسبب رهانه على الحرية خسر موقع رئيس التحرير وانتقل بعدها إلي “المصري اليوم” رئيساً للتحرير في تجربة لم تكتمل إلا أنه واصل التواجد علي صفحاتها كاتبا للعمود  في الصفحة الأخيرة ، ليصبح هو كاتب مصر الأول منذ عام 2003.

“مجدي” كان على استعداد للتضحية بكل شيء إلا الحرية ، معركته الدائمة هي من أجل أن  يعلو سقف  المتاح  ، كثيرا ما تلقي ضربات من أجل أن يتوقف ،حتى انه قرأ اسمه  في الصفحة الأولي من جريدة (الوفد )  بعدان انهى علاقته بها ، ليس في كلمة وداع تليق  بكاتب منح الجريدة الكثير، ولكنهم تكاثروا حوله لضربه ،وجاء وقتها مشروع (المصري اليوم ) وكأنه تكريم للكاتب الكبير  ليعيد من خلاله تواصله مع القراء ،  ولا أتصور أن اللقاء انقطع بالرحيل ، أعيدوا قراءة مجدي مهنا لتكتشفوا أنه قد راوغ الموت ،و لا يزال حيا   يكتب ويشاغب !


 تعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

CONTENT MAK Company
الهمة