كلمة ونص: ضحايا “الكاريزما”!

الكاريزما

هل من الممكن أن يضحي فنان بحلمه الخاص، عندما يجد أن أقرب الناس إليه قد حقق هذا الحلم بدلا منه؟ في علاقة المطرب إسماعيل شبانة -لتي مرت قبل أيام ذكراه- بشقيقه الذي يصغره بعشر سنوات شيء من هذا، لقد صار هذا المطرب هو الأسطورة والأيقونة في زمنه، ولا يزال أيضا يحمل نفس الصفة في زماننا؛ أقصد عبد الحليم (شبانة ) الذي لم يحتفظ كثيرا بلقب شبانة، وأصبح يحمل اسم الشهرة ( حافظ )، تيمنا بالإذاعي الشهير حافظ عبد الوهاب الذي اكتشفه، فكان له نصيب من اسمه.

شهد عام 1953 بداية ظهور عبد الحليم، وعلى الجانب الآخر أفول بل نهاية مشروع مطرب اسمه إسماعيل شبانة، من عايشوا تلك الحقبة الزمنية أكدوا لي أن المرارة والحسرة كانت تسكن قلب إسماعيل، ليس قطعا بسبب نجاح عبد الحليم المدوي، وتهافت شركات الإنتاج للتعاقد معه، ولكن لأنه لم يجد شيئا من هذا، فهو صاحب صوت قوي ومتكامل، دعمه بالدراسة في معهد الموسيقي، بل وحصل على شهادات تشيد به وبصوته من كبار الملحنين الذين أثنوا على تفرده.

لكن كان ينقصه ( دقة)، نعم كان ينقص الحلو تلك الدقة، أنها الومضة التي يطلقون عليها ( (الكاريزما )، وهى ليست قاصرة فقط على نجوم الغناء والتمثيل كما قد يتبادر إلى الذهن، ولكن حتى بين الكتاب، هناك عدد منهم يمتلكون تلك الكاريزما، وآخرون لا يعرفونها، مثل يوسف إدريس من الجيل الماضي وأحمد مراد من هذا الجيل، هناك آخرون ولاشك يكتبون بتمكن، إلا أنهم لا يملكون القدرة على جذب القراء.

كان الأمر ولاشك قاسيًا على إسماعيل شبانة، ومع الزمن ومع تضاؤل الفرص المتاحة، لم يعد أمامه سوى أن ينسي تماما حلمه الخاص، ويتحول ليصبح واحدا من فريق عبد الحليم، ينقل له ما يدور في معهد الموسيقي العربية، حيث كانت تجري بروفات الأغنيات هناك، وبالتالي يدرك عبد الحليم ما هي النغمة السائدة، من خلال أذن شقيقه المدربة على التقاط الألحان، كان إسماعيل يتابع أحوال المطربين المنافسين وينقلها لعبد الحليم.

روي لي الملحن الكبير كمال الطويل، أنه فوجئ بتليفون من عبد الحليم يعاتبه لأنه منح المطرب اللبناني محمد مرعي لحنًا يقول مطلعه ( لأ يا حلو لأ /لأ مالكش حق ) وبالفعل صارت لحنا شهيرا، بل هي اللحن الوحيد الذي اشتهر به مرعي في مصر، عبد الحليم قال للطويل إن إسماعيل لأخبره باللحن الرائع الذي تجري بروفاته وإنه كان يفضل أن يردده هو.

إسماعيل شبانة كان هو سر بقاء عبد الحليم على قيد الحياة ، فلقد أنقذه من الموت ،وحمله على يده وهو رضيع ابن أيام، قبل أن يفتك به، أهل قريته “الحلوات” بمحافظة الشرقية، بعد أن اعتبروه شؤماً؛ إذ ماتت أمه وهي تنجبه ومات والده بعد أسبوع واحد من ولادته ، “إسماعيل” أيضا كان هو المعلم الأول لشقيقه الصغير، وهو الذي أخذ بيد “عبد الحليم” وأقام عنده في القاهرة بعد أن ترك الملجأ الذي عاش فيه قرابة 10 سنوات، وعلمه أصول الغناء وألحقه بمعهد الموسيقي.

صوت إسماعيل شبانة من ناحية البناء الفني يعتبر مقياساً للاكتمال، حتى أن بعض كبار الموسيقيين أمثال سيد مكاوي وعبد العظيم عبد الحق وعبد العظيم محمد، بل والموسيقار الكبير رياض السنباطي، كانوا يرون فيه الصوت الأحق بالنجاح ويفضلوه كخامة صوتية على شقيقه عبد الحليم.

مفتاح النجاح الاستثنائي هو تلك ( الكاريزما ) ولكننا يجب أن نقول إنها ليست بالضرورة أبدية، هناك فنانون ومذيعون امتلكوها في مرحلة زمنية، وبعد ذلك غادرتهم، خرجت ولم تعد، إنها تعني بمعني ما الحضورالشخصي الطاغي؟ بينما هناك على المقابل من لديهم انصراف شخصي طاغٍ، ويظلون طوال العمر يندبون حظهم العاثر بسبب ( الكاريزما ) المفقودة!




 تعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

CONTENT MAK Company
الهمة
 كبريتة | حنولعها  محطتك إلى المشاهدة الرايقة .. مستقبل التلفزيون