رئيس مجلس الإدارة : رشا الشامي

رئيس التحرير : أسامة الشاذلي

قصة الموسيقى الغربية فى مصر الجزء الثاني .. ثورة القصبجي واقتباسات عبد الوهاب

القصبجي

تشكل الموسيقى جزءاً كبيرًا من الهوية المصرية، فى بدايات القرن الماضي ولأسباب استعمارية فى الأغلب كان الحفاظ على الهوية الشرقية فى الموسيقي نابعًا من اعتداد الفنانين بمصريتهم، وكانت محاولات التطوير والتجديد كلها تصب فى القوالب الشرقية كالدور والموشح والطقطوقة، نادى البعض بضرورة الحفاظ على الشكل التقليدي للغناء والبعد عن كل ما هو غربي لما فيه من طمس للهوية الشرقية، وقاد آخرون ثورة فنية رأت أنها لن تأخذ من الغرب لكى تطمس الهوية؛ بل لكى تثري الموسيقى العربية بإشكال فنية جديدة، قاد الثورة فى البداية “سيد درويش” ولم يمهله القدر لكي يكمل مابدأه، واستلم الراية منه آخرون، حققوا قفزة هائلة للموسيقى العربية خطت بها خطوات نحو التطوير والتجديد بشكل حافظ على هوية ومزاجية الغناء العربي وفى نفس الوقت فتحت أبوابًا أخرى للالتقاء مع الغرب والاستفادة من أساليبه الفنية.

القصبجي ثورة فنان 

فى مذكراته الشخصية “أوراقي الخاصة جدًا” يصف عبد الوهاب الموسيقار الكبير”محمد القصبجى” بأنه كان مفكرًا أكثر منه طروبًا .. وثائرًا أكثر من كونه جميلًا .. وفوق كل هذا فهو كان موسيقيًا رائدًا .

يحتل “القصبجى” مكانة فنية مرموقة لم يصل إليه أحد لا قبله أو بعده، يحتفى به الأكاديميون ويزين اسمه وصورته قاعات الموسيقى ومعاهدها فى أوروبا، بألحانه المتفردة وتطويره للمقدمات واللوازم الموسيقية برؤية سبقت زمنها بمائة عام على الأقل،  ثورته الفنية ورغبته المستمرة فى التطوير والتجديد كفلت لأعماله الخلود والتى يا للعجب صارت أشهر منه.

القصبجى كان مستمعا جيدا للموسيقى الغربية، ويحسب له أنه أبدل الشكل الغنائى التقليدي إلى الشكل الغربي فى كثير من ألحانه؛ لإيمانه بأن الغناء الغربي تطغى عليه التعبيرية ويظهر ملكات الصوت البشري بطريقة أفضل.

وقف القدر بدراماتيكيته المعتادة حائلًا قبل إتمامه مشاريعه الفنية، فرحلت “أسمهان” مبكرًا وهو الصوت الجامح الذي كان يساع ثورته الفنية، واعتزلت “ليلى مراد” مبكرًا، بالإضافة إلى أن الجمهور لم يكن على وعى كبير بالتطوير الحاصل فى موسيقاه متزامنًا مع رفض أم كلثوم مغامرته الفنية ووقفوها بعناد أمام ثورته لكرهها التجديد والخروج عن المألوف فى الغناء، فانزوى الموسيقار الشامخ خلف فرقتها كقائد لها وعازف للعود وهو العبقري الذى لم تجُد مصر بمثله.

“يا طيور 1940”

يروى أن القصبجى أستلهم تلك الدرة البديعة بعد أن استمع إلى مقطوعة بعنوان “صوت الربيع” تؤديها السوبرانو الألمانية”أرنا زاك” فلمعت الفكرة فى رأسه، وقرر أن يصنع موسيقي تضاهيها، تأتى “يا طيور” كأقصى تطور لمونولج غنائي تعبيري، تستحوذ الموسيقى على دور البطولة فيها، تماهى لحن القصبجى مع الكلمات فى كل مقاطع الأغنية دون استثناء فعبر موسيقيًا عن كل حرف شعري مكتوب، ووضع مقدمة موسيقية تصاعدية “كروماتيكية”  تحاكى أسراب الطيور التى تتسارع حركتها من السكينة إلى التحليق بأقصى سرعة، ثم الهدوء مرة أخرى.

الأغنية يصنفها الكثير من النقاد كأعظم أغنية فى تاريخ الغناء العربي، فلأول مرة يحدث تمازج بين الصوت المستعار”السوبرانو”الأوبرالي وصوت المطرب الطبيعي، والمدهش هو التنقل العجيب بين المقامات الغربية والشرقية فتسمع العجم والنهاوند والكرد وهى مقامات تخلو من الربع تون الشرقي بجانب البياتى الشرقي دون إخلال، مع توظيف الهارموني والتوزيع الموسيقى توظيفًا مهندسًا ومنظمًا، ينم عن دراية عميقة بالموسيقى الغربية رغم أنه يأتى من ملحن يعتبر خريحًا لمدرسة المشايخ الشرقية فى بدايات القرن.

تقف “يا طيور” كبنيان شامخ يدل على عظمة “القصبجى”، ولم يجرؤ أحد أو يمتلك القدرة على صنع أغنية صامدة حتى الآن كأعظم أغنيات “أسمهان” على الإطلاق.

“قلبي دليلي 1947”

بشكل جدي لأول مرة يتم توظيف الكورال لكى يلعب دورًا رئيسيا بجانب المطرب، يفتتح الكورال الأغنية بالآهات التى تتمايل بخفة مع إيقاع الفالس الغربي، المقدمة دسمة موسيقية جدًا موزعة بشكل أوركسترالي مدهش، اللحن شجي متعدد الأوجه لا يتكرر فى كوبليهاته؛  فيبدأ من مقام العجم الذى يقابل “الماجير” فى الموسيقى الغريبة ويتحول إلى النهاوند فى أخر كوبليهاته ” الدنيا جنينة” كل تلك التحويلات تتم بسلاسة رائعة مع الإيقاع الذى يتغير مع تغير تفعيلة الكلمات.

الأغنية خرجت من حدود كونها أغنية تؤدى غرضًا محددًا داخل عمل سينمائي، لتفرض نفسها وتعلن بقاءها حتى الآن، هذا اللحن العبقري المتفرد الذي وصفه الموسيقار”محمد فوزي” باللحن العابر للأزمان لا ينتمى إلى عام 1947 بل يأتى من عام 2000 ، ويروي الفاجومي” أحمد فؤاد نجم” فى برنامج “حبايبنا” على فضائية “دريم” أنه استمع إلى اللحن يعزف على البيانو فى أحد مطاعم باريس، فوقف فخرًا وإجلالًا لهذا المتفرد الذى لم ينل تقديرًا يليق بما قدمه للموسيقى في بلده، ونال تقديرًا عالميًا كأحد المجددين فى موسيقى القرن العشرين.

عبد الوهاب بين السرقة والتجديد.

يدين عبد الوهاب للقصبجى بالأستاذية حتى لو أنكر ذلك وتمسك بأنه درويشي – نسبة إلى سيد درويش- حتى النخاع، فيكفى أن نعرف أنه درس الموسيقى وتعلم عزف العود على يديه طيلة خمس سنوات في نادى الموسيقى الشرقي- لاحقًا أصبح معهد الموسيقى الشرقي- قبل أن ينتقل ليعيش فى كنف أمير الشعراء “أحمد شوقي”، والحقيقة أن ثورة القصبجى الفنية كانت مصدر إلهام كبيرا ليس لعبد الوهاب فقط بل لأجيال كثيرة متعاقبة.

تظهر هنا إشكالية قتلت بحثًا عن سرقات أو اقتباسات عبد الوهاب من الموسيقى الغربية، فرغم أن هناك حملة شنت عليه فى الصحف تتهمه صراحة بالسرقة من كلاسيكيات أوروبا، وفسر البعض عدم تكريمه من اليونسكو بسببها ، إلا أن بعض النقاد والمؤرخين حابوا عبد الوهاب فى تلك المسألة مشيدين بحق أى فنان فى النقل أو الاقتباس، طالما لم يزد على أربعة موازير، ودافع عبد الوهاب عن نفسه فى حوار متلفز واصفًا ما بدعه بأنه مجرد اقتباس أو استلهام، مستطردًا أنه أخطأ لعدم ذكره العمل المقتبس منه، الشاهد أن عبد الوهاب كان باسطًا نفوذه على الحياة الفنية فخرج منتصرًا كعادته، ولم يلتفت إلى الهجوم كثيرًا مفضلًا الاستعانة بنصيحة “أحمد شوقي” بأن يأتى بكل الصحف التى تهاجمه ويقف عليها وكلما زاد الهجوم ارتفع شأنه أكثر، وإن كان الهجوم لم ينتقص من الدور الكبير الذى لعبه ملحنًا ومطربًا في تطوير الموسيقى العربية.

بعيدًا عن الهجوم أو المحاباة، فالشاهد أن عبد الوهاب فى العشرينيات كان متأثرًا جدًا بالمدارس الشرقية والتطوير الذى بدعه سيد درويش ووضح ذلك فى العديد من أدواره، لكن ثورة عبد الوهاب الحقيقية مستمدة من “القصبجي” المفتون هو الآخر بالموسيقى الكلاسيكية الأوروبية والذى أرق مضاجع الملحنين بمونولوج “إن كنت أسامح ” لأم كلثوم معلنًا بداية عهد جديد من التطوير فى شكل الغناء ، بعدها بدأ عبد الوهاب فى نسج أسطورته الخاصة وساعده فى ذلك أنه كان يغنى ألحانه عكس القصبجي،  وبدأ فى الثلاثينيات مرحلة جديدة في فنه بالاتجاه غربًا لينهل من موسيقاها ليمزجها فى خليط مدهش داخل الموسيقى الشرقية.

“جفنه علم الغزل 1933”

يحسب لعبد الوهاب أنه طور في الشكل التلحيني للقصائد، فمزج كلمات مكتوبة بالفصحي مع إيقاع غربي مستورد”الرومبا”، لعب الإيقاع دورًا رئيسيًا فى القصيدة، مع لحن يجمع ما بين الشرق والغرب مدعومًا بتوزيع موسيقي متطور جدًا، ولم ينس عبد الوهاب أن يبرز مزاجيته الشرقية بأن أعطى لنفسه المجال فى منتصف القصيدة لكى يغنى موالًا بداية من مقطع “ياحبيبي” ومهد لذلك بفاصل موسيقي شرقي.

بالطبع لم تسلم تلك القصيدة من الاتهام بالسرقة بالأخص فى افتتاحية القصيدة والإيقاع المستخدم.

” الصبا والجمال 1939″

ظهرت تلك القصيدة فى فيلم “يوم سعيد”، ووضح فيها مقدار ولع “عبد الوهاب” الشديد بالغرب، وكما وصفها المايسترو سليم سحاب بأنها ذروة تأثره بالشكل الكلاسيكى الغربي، بداية من الغناء المرسل دون أى خلفية سوى البيانو، حتى المحاورة الثنائية بين الكمان والبيانو، ودخول صوت عبد الوهاب محاورًا ثالثًا لهما.

القصيدة برزت فيها مقدرة عبد الوهاب فى الجمع ما بين تراكيب لحنية غربية وشرقية، ومزج بينهما فى تضافر وتناغم كان جديدًا على الغناء العربي وقتها.

المصادر:

 كتاب السبعة الكبار في الموسيقى العربية .. فيكتور سحاب

مذكرات محمد عبد الوهاب .. أوراقي الخاصة جدا




 تعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

CONTENT MAK Company
الهمة
 كبريتة | حنولعها  محطتك إلى المشاهدة الرايقة .. مستقبل التلفزيون