رئيس مجلس الإدارة : رشا الشامي

رئيس التحرير : أسامة الشاذلي

فيلا 69 .. الحب والموسيقى يهزمان أي شىء آخر

فيلا 69 | موسيقى حب

إسراء سيف

وهبنا الله الحب من روحه حتى نعرف كيف نحتمل بعضنا البعض وكيف نحتمل الحياة برمتها، هذا السحر الذي يجعلك تتحمل صديقك بعيوبه أيًا كانت فقط لأنك تحبه، هذه النعمة التي تجعلك تتنفس شغفًا تجاه ما تحب من أعمال، النداهة التي تنده على صاحبها فتجعله يهيم عشقًا بمحبوبته فلا يرى للحياة طعمًا سوى بسعادتها ولا يعرف للأيام معنى إلا بلقائها.

فيلم “فيلا 69” هو من إخراج المخرجة الشابة أيتن أمين وكتابة محمد الحاج ومحمود عزت، وبطل الفيلم هو الفنان خالد أبو النجا الذي اختار أن يقوم بدور رجل في الستينات من العُمر “حسين” في تحدٍ منه لأداء دور شخصية تكبره بعدة أعوام لينجح في هذا التحدي بعد اعتذار الراحل العظيم ممدوح عبد العليم عن أداء الدور.

حسين رجل مريض بمرض لا نعرفه طوال الفيلم وكأن صناعه أرادوا ألا يفصحوا عنه حتى يشاركوا جميع المشاهدين آلامهم وخاصة هؤلاء ممن يعانون من آلام الوحدة والمرض، وهو مهندس يقرر الانعزال عن الناس بعد معرفته طبيعة مرضه ودنو أجله ويقرر استكمال عمله من منزله، ولكن الحب يدخل حياته فيغير نظرته لها في أيامه الأخيرة.

الحب:

على الرغم من طباع حسين الجافة إلا أن الحب لم يكن بعيدًا عنه، فهو يتودد للممرضة التي تزوره من حين لآخر، ويتعلق بالبيوت القديمة التي تحمل ذكرياته وخاصة بيته الذي لا يحب أن يتدخل أحد في ترتيبه غيره، حتى كتبه يحفظ أماكنها في مكتبته الضخمة لحبه وتقديره لهذه السنوات التي قرأها فيها وتحمل من فكره وروحه، وتعلقه بالماضي واصراره على الاحتفاظ بأصدقاء خيالين  بجو سبعيناتي هو نوع من أنواع الحب بحياته.

في لحظات ضعفنا نقوم أحيانًا بصد من يحاولون تحويل مشاعرهم الطيبة إلينا لطوق نجاة، نقوم بصدهم ليس لأننا نمقت وجودهم أو لا نحتاج لبحر عواطفهم الحلوة، ولكن نحاول التظاهر بالقوة، نحاول ألا نبدو على حقيقتنا الضعيفة في لحظاتنا الصعبة، هكذا كان حسين الذي جعله مرضه يؤذي من يحاول الاقتراب منه بسلاطة لسانه وجفائه في المعاملة.

ينصاع بالنهاية حسين لفك عزلته والخضوع لإقامة أخته وحفيدها معه بالمنزل “نادرة” التي جسدت شخصيتها الفنانة لبلبة ببراعة، تذوب كل أسواره التي يبنيها إزاء الناس وسط رياح الاهتمام الجديدة على حياته، ويعرض لنا الفيلم حالة فريدة من تواصل إنساني يقترب من الصداقة بين حسين وحفيد أخته “سيف” والذى لعب دوره الفنان الشاب عمر الغندور فتدخل رياح الحب والاهتمام بأشكالٍ مختلفة حياة حسين.

يعرض لنا الفيلم حالة أخرى ونادرة من الحب، وهي حب “سناء” التي لعبت دورها الفنانة أروى جودة لحسين، فهي فتاة في أواخر العشرينات تقع في غرام حسين ولا تنتظر لعلاقتها به أي شىء سوى أنها تحب التواجد بجواره، فالحب لا يعرف المنطق والحسابات التي يفرضها علينا العقل، ووجود سناء بحياة حسين حتى انسحابها بالنهاية يجعله يؤمن بوجود الحب بعد انعزاله عن الناس والحياة.

الموسيقى:

يحتفظ حسين بالكثير من الأسطوانات؛ فهو يعشق الموسيقى والغناء ويحب أم كلثوم، كما يحترف العزف على العود الرابط الوحيد بينه وبين الحياة بعد مرضه. وبعدما كان لا يحتمل وجود سيف حفيد أخته بالبيت، أثارت موسيقى الفرقة التي كونها سيف فضوله حتى أنه أبدى رأيه في موسيقاهم وأخذ يعزف بعوده الألحان الجميلة وتدخل شباب الفرقة بالجيتار لتتواصل أفكارهم جميعًا بالموسيقى بلحنٍ يرضون عنه جميعًا، وكأنما كسرت الموسيقى الفجوة بين جيل حسين وجيل الشباب. فالموسيقى جعلته يتواصل مع الناس بعد الانعزال عنهم لفترة طويلة وجعلته يرى الحياة بشكلٍ مختلف. وجاء المشهد كما لو جمع بين الماضي بعراقته والحاضر بمفاهميه الجديدة حتى في الفن.

استطاعت أيتن أمين وحسام شاهين مدير التصوير أن يأخذونا معهم بكادرات رائعة حيث استغلت أيتن أمين النيل وكل ركن من أركان الفيلا الفريدة التي صورت بها بالمنيل، فهناك أماكن تحبها الكاميرا وكأن لها روحًا تعرف أن لها دور سينمائي، لعبت الموسيقى المستخدمة دورًا هامًا في الفيلم فلم تكثر أيتن أمين من استخدام المقاطع الموسيقية، فقط استخدمت لحنًا موسيقى ثابتًا بالجيتار بين المشاهد، ولكن غلب على شريط الصوت الأصوات الطبيعية لتذكرنا بأفلام الراحل محمد خان، كأصوات القطط والسيارات والأمطار التي تنقلنا من فصل الخريف للشتاء، فصل الحب والانطلاق والحياة.

سيظل الحب هو الأكسجين الذي يجعلنا نعافر مُجددًا كي نستكمل الحياة حتى لو أصابتنا آلام المرض وأوجاع الحياة بأشكالها المختلفة، وستظل الموسيقى المُسكن الذي يجعل روحنا تستفيق من هذه الآلام. أراد صناع الفيلم أن ينهوه بصحوة حسين من أجل استكمال الباقي من حياته بملابس أنيقة وجو الشتاء الحي وقراره أن يتجول في شوارع القاهرة بسيارة أبيه ليجعل للماضي مكانًا محبب بداخله وللحاضر نظرة تفاؤل تجعلنا نعرف أن على هذه الأرض ما يستحق الحياة.

 تعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

CONTENT MAK Company