عيد الأم في المقابر: الحياة وقفت هنا..أمهات ثكالى وأبناء شهداء

بملابسهم السوداء التي لم يغيروها منذ ان رحل ابناءهم للأبدية، بعد أن خطفتهم يد الارهاب من احضانهم، منهم من كان ينتظر بضعة أشهر ليتم زواجه، ومنهم من كان ينتظر شهادته كأنه ينتظر هدية من السماء.، هم أمهات الشهداء الذى تحولت أعيادهم إلى رثاء وبكاء على مقابرهم، بعدما كانوا يقضوه سوياً.

يبدأون يومهم بالصلاة ولا ينهوه إلا مع غروب شمس اليوم فى مقابر فلذات كبدهم، يتذكروهم عندما كانوا صغاراً يلعبون معهم، وأول أيام دراستهم، وحفلات تخرجهم، وهدايا عيد الأم التى حرموا منها بسبب ارهاب أسود لا يعرف من ينتمى له عن تلك الأمهات اللائي يقضين ما تبقى من حياتهم على رائحة ابناءهم الشهداء.

البداية كانت من والدة الشهيد الرائد مصطفى يسرى، الذى استشهد خلال فض اعتصام رابعة الذى كان سببه اعضاء جماعة الاخوان الأرهابية، والتي اعتادت كل ذكرى عيد أم منذ ان استشهد نجلها على قضاء هذا اليوم فى المقابر بجوار الشهيد.

أم الشهيد الرائد مصطفى جودة مع صورته

تحدثت لنا بكلمات تتخللها الدموع : “حسبي الله ونعم الوكيل في كل ظالم وكل مفتري، وفي كل من  يتكلم باسم الاسلام وهو لا يعرف يعني ايه إسلام، وفي كل الذي لا يشعرون بعمل هؤلاء الشباب الذين يضحوا بحياتهم وارواحهم،  يتهكم الناس على مواقع التواصل الاجتماعي فيسبوك على رجال الأمن والتقصير الأمني، دون أن يكون لهم أدنى علم عن طبيعة حياة رجال الشرطة وكيف هي حياتهم،  لا يعلمون أن هؤلاء الرجال يظلون بالأيام والاسابيع خارج منازلهم، ولا نعلم عنهم أي شئ سوى باتصال تليفوني واحد في اليوم إذا أُتيح لنا، لا يشعر بنا أحد عندما يأتي علينا شهر رمضان المبارك ويكون الفطار مع ابني في المقابر، وكذلك تقضية الأعياد التي لم يعد لها أي طعم في “المقابر””.

والدة الرائد مصطفى تقول: “حد تخيل البيت اللي فيه شهيد النا دي عايشة ازاي،  الرحمة باهالي الشهداء والمصابين، والامهات اللاتي حرموا من اولادها، والاطفال الذين حرموا من والدهم، والزوجات اللاتي أصبحن آرامل في عمر الشباب، الرحمة والرأفة بيهم حسبي الله ونعم الوكيل”.

وعن تفاصيل حياة النقيب مصطفى يسري، أشارت إلى أنه من صغره يطلب الشهادة ، كنت دائمًا اتصل به كثيرًا للاطمئنان عليه وكان يقولي لي “أنتي ياماما تاخدي الرقم القياسي في عدد الرنات”،  كان يتصف بالحنية والطيبة، علمت بعد وفاته من العائلة والمقربين لنا، أن كان يفعل العديد من افعال الخير والصدقات ولم أكن أعلم عنها أي شيء، فوجئت بسيدة تأتي لي لتخبرني أنه كان يخصص لها راتب شهري، وعندما نزل أجازة في شهر اغسطس قبل عملية الفض، ذهب مع والده لشراء هدية له بمناسبة عيد ميلاده رغم أنه في شهر سبتمبر، وأن والده أخبره بالانتظار حتى يأتي يوم الميلاد رد عليه مصطفى وأخبره “ياترى مين يعيش”.

مازال الشهيد بجوار قلب أمه

تتذكر  والدة الشهيد يوم الحادثة: “استيقظ في ميعاد المعتاد، وكنت استعد لتجهيز الإفطار، وايقظت اخوته أيضًا، يومها كان صامتًا ولم يكن كعادته، واخبرتهم أن يفطروا معًا “ياعالم هتفطروا امتى تاني”، لم أعلم لماذا قلت هذا الكلام ومن أين أتى، وبعد أن انتهوا نزل ليذهب إلى القطاع وهو صامت ولكن نظر إلينا طويلًا دون سبب مطلق وقال لنا “خلوا بالكم من نفسكم” شعرنا جميعا بشيء مختلف وكأن شيء ما سيحدث ولكن لم نعلم ماهو”.

منوهة إلى أنها لم تكن تعلم أي شيء عن عمليات لفض اعتصام رابعة العدوية ” كان من المفترض أن خطوبة مصطفى يوم 15/8/ 2013، ولكن تفاجئنا جميعًا بعمليات الفض، وشارك مصطفى فيها يومي 14 أغسطس و 15 أغسطس؛ واستشهد زميليه محمد سمير ومحمد جودة”.

وفيما يخص كواليس معرفتها بإصابة النقيب مصطفى واستقبالها للخبر،  فاسترجعت ذكرياتها يوم 16 أغسطس ” كان يوم جمعة، استيقظ من يومه كالمعتاد وجهز شنطته لكي يذهب إلى القطاع، وكالعادة كنت أتصل به لكي أطمئن عليه خاصة في ظل هذه الظروف المضطربة، ولكن لم يُجيب، وأجاب أحد اصدقائه ليخبرني أن مصطفى عند رئيس القطاع يتلقى منه التعليمات الخاصة، ولكن رغم ذلك لم يتصل، واتصلت به مجددًا لأطمئن عليه أخبرني زميله أن مصطفى بخير ولكنه أصيب إصابة خفيفة وتم نقله إلى مستشفى المعادي العسكري”.

وفقًا لزملائه، تم إرسال طلب للنجدة بالقطاع، أن قسم الشرطة بحلوان يتعرض للهجوم من عناصر الإخوان الإرهابية، مطالبين القطاع بإرسال وحدة من العمليات الخاصة للتصدي لهذه العناصر وتأمينه، وأصيبت بثلاث رصاصات من قناصة الاخوان واحدة في الفك وأخرى في الرجل والثالثة أطلقت في الطبنجة الخاصة به ما جعلها تنفجر في جسده إلى شظايا، وقام رفاقه بتجريده من ملابسه الميري واستبدالها بملابس مدنية حتى يستطيعوا نقله إلى المستشفى، لأن العناصر الإرهابية كانت تقتنص كل من كان يرتدي الزي الميري في ذلك الوقت، وأكد زمائل مصطفى أن فدا القطاع كله.

قلب أم في وداع شهيد

ورغم وجود حظر التجوال لم تستطع الانتظار لليوم التالي للذهاب لمستشفى المعادي العسكري لرؤيته، عند وصولنا المستشفى كان في غرفة العمليات، وانتظرناه حتى اليوم التالي بجانب غرفة العمليات، عندما دخلنا عليه غرفته، وجدنا وجهه مقسوم لنصفين، لم يكن يتحدث بل كان يبتسم فقط ويتواصل معانا بالكتابة على الورق فقط، وبعد ثمان أيام دخل في غيبوبة.

«مصطفى» ظل مقيم بالرعاية المركزة لدخوله في غيبوبة، وقمنا بإرساله إلى الخارج لمحاولة علاجه وخاصة تهشم اجزاء مختلفة من الجسم نتيجة الرصاصات التي اصابته، ظل في الخارج لأحد عشر شهر، تعرض وقتها إلى تلف في خلايا المخ، وعاد إلى مصر في 22 سبتمبر 2015، أدخلناه بعدها المستشفى الجوي التخصصي، وهناك أصيب بفيرس الكبد الوئابي، وكسرت يده وتم تركيب شريحة ومسامير له، وتعرض للعديد من المشاكل الصحية، منها التهاب رئوي ثم عدوى في الدم، كان لا يسمع ولا يتكلم ولا يتحرك، نتيجة هذه الامراض التي اصابته، لثلاث سنوات من المرض وجرعات مكثفة من مسكنات الألم، استرد الله وديعته وتوفي مصطفى في يوم 19 اغسطس 2016.

والدة النقيب “محمد جودة” أول شهيد يسقط في فض “رابعة”: أخرج المعتصمين آمنين

أما القصة الثانية، من أمهات المقابر أو أمهات الشهداء، فكانت لوالدة النقيب الشهيد محمد جودة، أحد ضباط العمليات الخاصة الذى يعد أو شهيد في اعتصام رابعة، والتى بدأت حديثها قائلة “ابني لم يبخل بدمه من أجل حماية الوطن فكيف لقتلته أن يظلوا على قيد الحياة حتى الآن دون القصاص لروحه وهو وزملائه من ضحوا بحياتهم فداءاً للوطن”.

بعينان تملئهما الدموع تقول ” محمد كان إنسان بمعنى كلمة إنسان، حب وعطاء فوق منتهى الوصف، حبه لزملاؤه في الكلية والعمل ولمنطقته ولأهل منطقته، لم يكن يتوانى في تقديم المساعدة والخدمة لأي شخص يطلبها، تُؤكد والدة الشهيد أن ابنها تخرج في كلية الشرطة عام 2010، وكان طموحًا، ويقدم الكثير من الجهد في تدريباته من أجل أن يُصبح في مرتبة أفضل، ويُمكنه تقديم كل نفيس وغالي من أجل بلده، ومن أجل هذا لم يترك كتيبته في يناير 2011، وظل بها مُدافعًا عنها.

الشهيد محمد جودة

في الثامنة من صباح يوم 14 أغسطس عام 2013، كانت تجلس والدة النقيب محمد جودة، أمام التلفاز، للاطمئنان على نجله، الذي كان قابع وقتها في ميدان رابعة العدوية في اعتصام جماعة الإخوان، وإذ بها تفاجىء بإسمه ضمن الشهداء الذين سقطوا في أثناء عملية الفض.

تتذكر والدة الشهيد تفاصيل حياة نجلها من أمام قبره: “محمد اتخرج في دفعة 2010، وبعد كان من قوات العمليات الخاصة، وبعد سنة من تخرجه قامت ثورة 25 يناير 2011، وكان من الضباط المقيمين في الميدان وقت الثورة، وشارك في فض اعتصام رابعة والنهضة، الذي نظمته جماعة الإخوان خلال 2013، وكان أول شهيد يسقط”.

وتضيف: ” قبل عملية الفض، جلسنا معًا كالمعتاد لنحكي عن ذكرياتنا معًا، ووقتها كان يرتاد الشهيد ميدان رابعة كأحد قوات التأمين ولكنه لم يكن مقيمًا، وفي صباح اليوم التالي قبل يوم الفض ذهب إلى القطاع في السابعة صباحًا وكانت هذه آخر مرة أراه فيها أنا ووالده”.

ضحكة شهيد

 وقتها أبلغنا “محمد” إنه سوف يضطر للمبيت في كتيبته بإدارة العمليات الخاصة، استعدادًا لعملية الفض التي ستحدث في اليوم التالي، وأكد لنا أنهم عازمون على فض ذلك الاعتصام، دون أن نعلم أنه سيشارك فيها. وفي الصباح، كما روى لنا رفاقه وزملاؤه من العمليات الخاصة والمشاركين في فض الاعتصام آنذاك، إنه توجه بُصحبة القوات من أجل تأمين المهمة وإتمام عملية الفض بسليمة تامة، وكان «جودة» هو من اعتلى إحدى المدرعات، وظل مُسكًا بمكبر الصوت، كي يحذر كل المتواجدين في الميدان، ويحثهم على الخرج الآمن للمعتصمين، حتى لا يتأذى أحد أثناء عملية الفض، وقبيل استشهاده كان حريصًا على ألا يُصاب أحد أو يقتل في الميدان.

والده الشهيد محمد جودة

عقب دفنه وتكريمه، حكى لنا أصدقاؤه عن لحظة استشهادوه في قلب الميدان، فعقب الكلمات القليلة التي قالها لحث المتعصمين على الخروج من ميدان رابعة، أطلق عليه رصاصة غادرة من قلب الميدان وأصابته، ورغم الواقي الذي كان يرتديه على صدره، والآخر الذي يرتديه فوق رأسه، من قناص يعتلي أحد المباني المتواجدة في ميدان رابعة العدوية، بدأ دخول القوات في الساعة السادسة والنص، وعند السادسة ونصف وخمس دقائق سقط محمد كأول شهيدًا في صفوف قوات الشرطة المشاركة في فض اعتصام رابعة العدوية، لتنتشر الأخبار في التلفزيون عن سقوط الشهيد، ولم نعلم الخبر إلا متأخر.




 تعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

CONTENT MAK Company
الهمة
 كبريتة | حنولعها  محطتك إلى المشاهدة الرايقة .. مستقبل التلفزيون