عن “عزيز الشوان” .. صاحب أول أوبرا مصرية

عزيز الشوان

يمكن أن نقول أن أول إحتكاك رسمى  للمصريين بالموسيقى الغربية كان فى عهد “محمد على” وقت إنشاء مدرسة الموسيقات العسكرية كجزء من المشروع الأكبر لإنشاء أول جيش مصري .

فى هذه المدرسة بدأ المجندون تلقى دروس موسيقية تشمل قراءة النوته الموسيقية وعزف الاَلات النحاسية الغربية الطابع على أيدي معلمين من إيطاليا وفرنسا ، وتمر السنين لينشأ بعدها الخديوي إسماعيل أول دار للأوبرا فى المنطقة كجزء من الأحتفال بأفتتاح قناة السويس وعهد إلى الإيطالي “فيردي” بتأليف أوبرا يكون موضوعها مصري فرعوني فكتب للحفل أوبرا “عايدة” لتصبح تلك الدار”الأوبرا” هى رمزًا لإلتقاء الشرق بالغرب .

مع بدايات إنشاء الأذاعة المصرية والتى أخذت على عاتقها تدعيم الحركة الموسيقية فى مصر ،فبدأت بالأهتمام بالألحان المغناة وان كان ذلك على حساب التأليف الموسيقى ، الذى اعطته جزء من برامجها لتعريف المستمع بالموسيقى الكلاسيكية الغربية ومؤلفاتها ، وتزامن هذا مع عودة بعض أقطاب الجيل الأول من المؤلفين الموسيقين إلى مصر بعد دراسة الموسيقي في اوروبا  مثل “يوسف جريس” و”أبو بكر خيرت” و”حسن رشيد “مرورًا ب”عزيز الشوان” الذى يبرز اسمه كأهم مؤلفى الجيل الثانى فى الحركة الموسيقية فى مصر .

بدأ الشوان صلته بالموسيقى فى التاسعة من عمره بتعلم العزف على أله “الفيولينة” على يد الألمانى “جوزيف فون أوبيرفون” ثم عزف الكلارنيت والكورنو، مما فتح أمامه الطريق للاشتراك في فرق النفخ المدرسية وكان أمله أن يصبح عازفا مشهورًا للفيولينة.

استطاع معلمه الألمانى تدبير منحة دراسية له فى معهد برلين السينمائى ، لكن رفض والده أن يعمل بالفن ،  ليرتب القدر حادثة مأساوية أثرت على حركة أصابع يده اليسرى فتخلى عن حلمه بأن يصير عازفًا مشهورًا وقرر التحول لدراسة التأليف الموسيقى ، فدرس البيانو وأساليب التأليف الموسيقي وعلوم الهارمونى على يد الإيطالى “ميناتو” والروسى “أورلوفيتسكي” وقت ماكانت القاهرة مركزًا عالميًا يحتضن العديد من الثقافات والجنسيات المختلفة  .

بدأت محاولاته الأولى للتأليف الموسيقى  بعدة مقطوعات موسيقية مثل “فانتازيا الأوركسترا” عام 1945 ، والسيمفونية الأولي عام 1946 .أوبرا ” عنترة ” شعر “أحمد شوقي” عام 1947 .

لكن تظل أشهر مؤلفاته فى تلك الفترة الأولى من حياته الفنية هو القصيد السيمفونى “عطشان ياصبايا” عام 1954الذى ظهر فيه تمكنه الواضح من الإحكام الهارمونى الذى صنعه وأجاد فيه اللعب على تنويعات الجملة الشعبية الأصلية .

من ناحية أخرى أتاح له عمله كمدير للمركز الثقافى السوفيتى فى مصر الفرصة للسفر إلى الإتحاد السوفيتى لأول مرة فى أواسط الخمسينات ، وهناك سجلت أعماله لأول مرة من قبل راديو أوركسترا موسكو ، كما كان على إتصال بالعديد من الموسيقين هناك  و تعرف على الموسيقات الروسية المتنوعة داخل جمهوريات القطر الروسي وخلص إلي فكرة تقديم موسيقى معاصرة مستوحاة من الموسيقى التراثية .

فى الستينات زار مصر المؤلف الأرمينى “أرام خاتشتوريان” و تعرف على بعض المقطوعات الموسيقية للشوان ، ودعاه للعودة مرة أخرى إلى روسيا لدراسة الموسيقى فى “كونسرفتوار موسكو” من عام 1967 حتى عام 1969 ليعود بعدها إلى مصر ويحصل على منحة تفرغ لكتابة أوبراه الثانية “أنس الوجود” ووضح إهتمامه بالموضوعات الفرعونيه فى الأوبرا  ثم فى الصور السميفونية مثل “أبو سمبل” وباليه “إيزيس وأوزوريس”

وكتب للكورال والأوركسترا لوحة سيمفونية وغنائية بعنوان  “القسم” التي تعالج القضية الفلسطينية وهي مكتوبة للغناء الانفرادي مع الكورال والأوركسترا كذلك غنائية »بلادي «  و ربما لا يعرف الكثير انه لحن للمطرب “عبد الحليم حافظ” قصيدة “لاتظني”والتى سجلها لإذاعة صوت أمريكا فى الخمسينات.

ومؤلفاته للبيانو تقدم نموذجًا صادقًا لفكره الفنى ولمساته القومية فى الجمل اللحنية المكتوبة لتلك الاًلة ومن أبرزها كونشيرتو البيانو وله عدة مقطوعات فردية للبيانو تسمى “أرابيسك” وأربع مقطوعات أخرى وثلاث مقطوعات لموسيقى الفالس .

أسس الشوان لغة موسيقية مصرية ، وقدمها إلى العالم فى صورة معاصرة تتماشى مع عالمية لغة الموسيقى ، وتميزت موسيقاه بإعتمادها على جمل لحنية أصلية ، بعضها مستوحى من الموسيقى التراثية المصرية ، تترابط مع الجزء الهارمونى الغربي ، وفى سيمفونيته “عمان” يوسع الشوان مفرداته الموسيقية، ويدمج الخصائص الإيقاعية واللحنية للموسيقى التراثية العمانية مع الأوركسترا .

رغم سعي الشوان طيلة ثلاثين عامًا لتقديم أحد أعماله الكبيرة على مسرح دار أوبرا القاهرة، إلا أن ذلك لم يتحقق إلا بعد مرور أكثر من عام على وفاته، عندما عُرضت أوبرا أنس الوجود في يوليو 1994 على مسرح أوبرا القاهرة للمرة الأولى كان العرض الأول للأوبرا على شكل “كونسير موسيقي” بقيادة المايسترو يوسف السيسي. أما حلم الشوان بتقديم “أنس الوجود” كعرض مسرحي متكامل فلم يتحقق إلا في عام 1996، وبقيادة نفس المايسترو، لتكون أول محاولة لتقديم أوبرا عربية كاملة، بداية من الألحان والنص وانتهاء بكافة عناصر العرض الأوبرالي .

للشوان أربعة مؤلفات مهمة في الثقافة الموسيقية من أهمها ، الموسيقي للجميع ، الموسيقى تعبير نغمي ومنطق وتم منحه الجائزة الاولي للتأليف الموسيقي من وزارة الثقافة سنة 1956 ، وسام العلوم والفنون من الطبقة الاولى 1967 ، وسام سلطنة عمان من الدرجة الثانية 1985.

 أهدت الدكتورة سلوى الشوان،  ابنة الموسيقار الراحل  ، مقتنيات والدها إلى متحف الأوبرا عام 2016 وقت رئاسة الدكتورة إيناس عبد الدايم لدار الأوبرا المصرية.




 تعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

CONTENT MAK Company
الهمة
 كبريتة | حنولعها  محطتك إلى المشاهدة الرايقة .. مستقبل التلفزيون