عن الانتحار “قد يكون عالمكم جميلا.. لكن ليس لي”

الانتحار

ثانية بل أقل من الثانية تفرق بين الحياة والموت وهذه فقط الصورة التي لم ينقلها لنا بعض الأشخاص الذين قرروا أن يضعوا هم نقطة النهاية وأن يوقفوا عقارب ساعات الحياة، وأنا صغيرة عندما كنت أشعر بالحزن بسبب تقيمي السيئ في المواد الدراسية، أو لفقداني دميتي في مكان لا أذكره، كان أبي يحدثني عن الوقت وطبيعة الحياة، وأتذكر حتى الآن الحكمة التي كان يهمس بها في أذني الصغيرة “الحياة مثل الماكينة الكبيرة تروسها لا تتوقف عن الدوران ونحن جميعنا تروس، ولكن إذا توهمت أن هذه الماكينة الضخمة ستتوقف بسبب حزنك فانت واهمة ومصيرك بالتأكيد سيكون الهرس تحت أسنان التروس الأكبر منك” ورغم قساوة حكمة أبي إلا أنها حقيقية، وللأسف هناك أشخاص لم يستطيعوا الاستمرار في ملاحقة تروس الدنيا.

لم أنكر أني فكرت في يوم بأن أضع كلمة النهاية حتى وإن كانت القصة مازال باقي منها فصول مثل النهايات المفتوحة للأفلام العربية، ولكن ما أوقفني عن هذه الخطوة فقط هو أنني مؤمنة تماماً أننا لم نأت إلى هذا العالم حتى نتألم فقط، وحتى الآن عندما أشعر بالضيق أتذكر كلمات أغنية محمد منير “لسه أجمل يوم مجاشي” وتستمر بعدها رحلتي في السعي للوصول لهذا اليوم.

ومنذ أيام قليلة قام أحد أصدقائي بنشر الرسالة الأخيرة للشاعر التونسي “نضال الغريبي” وعلى قدر ما كانت رسالته مؤثرة وجعلتني أبكي، إلا أنني أيضاً وجدت نفسي اذهب إلى موقع “YouTube” لأشاهد الرسالة الأخيرة لـ “شريف قمر” طالب كلية الطب الذي انتحر منذ ما يقرب من العام في محاولة لربط الأشياء المشتركة في الرسالتين.

والحقيقة أن الشيء الوحيد الذي وجدته مشتركا بين كل من أقدم على الانتحار أن الشخص الذي يقدم على هذه الخطوة يكون قد نفدت كل تجاربه في البحث عن من يقف معه في محنته بالطريقة الصحيحة، وأسوأ شيء واجهه الاثنان هو حالة السخرية التي قابلاها عندما أشارا إلى فكرة الانتحار فقد قام شريف بالفعل بعمل استطلاع رأي لأصدقائه على موقع فيسبوك حول طرق الانتحار الأفضل، والمدهش أنهم تعاملوا مع الأمر بحالة من الاستخفاف وصلت بهم إلى ترشيح طرق حقيقية له، ومن الجانب الآخر برسالة “نضال الغريبي” احتوت على كلمات مؤثرة تصف حالة اليأس التي كان قد وصل لها قبل انتحاره “غريب أمر الموت ما أبخس ثمنه، دينار ونصف الدينار ثمن الحبل، وبعض السجائر، غريب أمر الحقيقة ما أبخس ثمنها لكننا لا نرى، نملأ أبصارنا وبصائرنا دومًا بالأوهام، حتى تصير الحقيقة تفاصيل لا نراها”.

نضال الغريبي

الأمر مفزع فقد أشعر حقاً بالرهبة عندما يدفعني الفضول في التفكير بالانتحار، أن يصبح شخص عبارة عن “لا شيء” جسد بلا روح، ولكن على كل من يقرأ هذه الكلمات أن يقطع عهداً مع نفسه أنه عندما يجد شخصا يعاني من حالة يأس أو اكتئاب لا يحدثه عن جمال الحياة، أو عن الحلال والحرام، فقد أثبتت التجربة أن من يقدم على هذه الخطوة لا يحتاج إلى التقرب من الله أو مشاهدة الحياة الوردية التي لا توجد على أرض الواقع ولكنه فقط يريد العلاج والدعم النفسي، الحب لا يعني أن تترك شخصا ينتحر وتكتفي فقط باستخدامه كصورة شخصية على مواقع التواصل الاجتماعي، وقد قال شريف قمر جملة تصف الشعور الداخلي للمنتحر “قد يكون عالمكم جميلا ولكن ليس لي مكان بداخله.




 تعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

CONTENT MAK Company
الهمة
 كبريتة | حنولعها  محطتك إلى المشاهدة الرايقة .. مستقبل التلفزيون