عن ألبوم “هطير من تاني” لحمزة نمرة وبداية النهاية لمشروعه الفني

هطير من تانى

ينتشر مصطلح الفن الجاد والملتزم بين الأوساط الفنية النقدية، دون أن يكون هناك تعريف واضح للفن الجاد في العموم، وإن كانت النخبة أطلقت هذا المصطلح كنوع من الاستئثار به لنفسها وحصرته فى الفن الذى يرصد قضايا المجتمع اجتماعية أو سياسية.

 بعيدًا عن نخبوية المصطلح يمكن القول إن من يأخذ فنه على محمل الجد،  يجوز أن يطلق عليه فنان جاد حتى لو يقدم فنًا ترفيهيًا،  وقياسًا على ذلك يمكن اعتبار “عمرو دياب” فنانًا جادًا لنفس الاعتبارات التى تحدد علاقة الفنان بالفن عمومًا، ولا يجوز تسفيه ما يقدم فى إطار الغناء العاطفي أو الاستهلاكي التجاري، الذى لا يعيب فنانيه ولا مريديه بأى حال من الأحوال.

يظل لقب فنان جاد ملتصقًا باسم “حمزة نمرة”، دائم الحديث عن تجارب فنية سابقة أغلبها ينتمى إلى تلك الفئة، والتى يضعها نصب عينيه ويستمد منها إلهامه الفني. فى ألبومه الجديد”هطير من تانى” لم يقترب من تلك التجارب ولو من بعيد، بل تشعر بانسلاخ تدريجى له بدءاً من ألبومه “اسمعنى” وصاحبه فى الأغنيات الجديدة، وخرج عن الإطار الذى حدد به ملامح تجربته من البداية، يظهر عنوان الألبوم خادعًا بشكل كبير حيث جرعة خفيفة من الأمل، واستسلام وانهزامية أكثر كأنه يحاول إقناعك أنه لا جدوي ولا أمل ولابد من تقبل الواقع، لا نضج فى الاختيارات ولا تسلسل أفكار متماسكاً بل أغنيات متخبطة تمامًا تقف فى منتصف المسافة بين الغناء التجاري والغناء المستقل، وعكست بشكل كامل التخبط الحاصل فى حالته الفنية الحالية.

تسييس الفن والفنان السياسي

يتداخل اسم “حمزة” رغمًا عنه فى صراعات ما بين محبيه وكارهيه حول توجهاته السياسية، ليخرج هو على الملأ ناهيًا الجدل نافيًا انتماءه إلى أي فصيل سياسى،  ورغم اشتراكه في ثورة يناير إلا أنه لا يعتبر نفسه مطرب الثورة، ويواصل محبوه الدفاع عنه وعن أغنياته التى تفضح الواقع وتشرح مأساوية الأوضاع، لكن هل فضحت أغنياته الواقع المأساوي بشكل جدي؟ وهل نجحت فى التعليق على أحداثه؟ ام أنها مجرد لطميات وبكائيات تعلن الاستسلام والهزيمة أمامه،  الحقيقة تقول إن أغنيات حمزة لم يكن فى باطنها أى ملمح ثوري متمرد، بل إن التجربة من البداية كانت اتجاهاً مغايراً لما يقوله الغناء التجاري المعتمد كليًا على الغناء العاطفي، تجربة  غناء إنساني اجتماعى لم يكن للثورة فيه مكان، وحاليًا يتم التأصيل لفكرة أخرى، هى حصر التجربة وكأنها تقود ثورة ضد الظلم والقهر رغم أن صاحبها ينفى ذلك تمامًا، ويتم  تأويل أغنياته الحالية كل حسب توجهاته السياسية فيحملون أغنياته أكثر مما ينبغى.

“هطير من تانى” ورحلة الفقد المستمرة

ألبوم هطير من تانى خرجت أغنياته التسع سطحية جدًا، اعتمد فيها على ثلاثى شعري يتقدمهم “محمود فاروق” الذى لا أعرف سر التمسك به، سوى أنه يتحمل ضغوطات وتعديلات حمزة الكثيرة، وينفذ المطلوب منه بلا أى اعتراض، لكن لا جديد فى أفكاره المعالجة شعريًا بسرد تجاري مباشر جدًا، ورغم ذلك اعتمد عليه حمزة فى خمس أغنيات عادلت نصف الألبوم تقريبًأ، بالإضافة إلى ظهور خجول لكل من “محمد السيد” و”حازم ويفي” و”محيي حوار” المجمد حاليًا فى وكالات الإعلانات.

يسير حمزة فى “هطير من تانى” فى رحلة فقد مستمره، مرة للأحلام فى “داري يا قلبى” ومرة للأصحاب في “شوية حبايب”، ليكتشف بعد ذلك بأن لا صحبة أعظم من تجلي الذات!، ينعى البراءة والسذاجة فى “الواد العبيط” ليتحول إلى شخص جديد  على مقاس الزمن الحالي ، يحافظ على تواجد أغنية ذات طابع ديني فى ألبومه كطقس دائم له، وصنعت بشكل ممسوخ جدًا جعلنا نترحم على أغانى “سامى يوسف” وماهر زين”.

الأفكار الموسيقية لم تكن أفضل بأى حال من الأحوال، تشعر بأن حمزة لا يمتلك هوية موسيقية بالأساس، موسيقى تجارية بأفكار تقليدية تمامًا، لم ينوع فيها بشكل كبير وخرجت موسيقى الألبوم تشبه ألبومات البوب التجارية حيث الموسيقى التى تصنع لأغراض تجارية بحتة، ولم يسوق لنا حمزة أى أفكار جديدة بل فاصلاً من الموسيقى المتوقعة، بقوالب جاهزة لم تعطه تميزًا فى هذا الميدان، تنويعات وتبديلات بين العود والجيتار، وموسيقى بلا روح جوفاء تغيب عنها التيمة اللحنية المميزة، وهو الأمر الذى كان يحب عليه تحرير نفسه من قبضة ألحانه، بل زاد الطين بلة واشترك فى التوزيع أيضًا .

إعلان نهاية المشروع الفني.

حمزة كان مشروعًا طموحًا فى البداية، يسير فى اتجاه مغاير بمفردات جديدة وإحياء للتراث بشكل عصري، لكنه الآن تخلى عن كل هذا وأصبح مشروع من يرون أن الفن فى مجمله حرام إلا بشروط يقاس عليها فنه هو، ويتخيل محبوه أنه يرضى ذائقتهم دون أن يجرح معتقداتهم، مفردات منتقاة بعناية وموضوعات أغلبها مباشرة تشبه محاضرات التنمية البشرية صنعت خصيًصا لكى تناسب تلك الشريحة من الجمهور، حتى عندما يلجأ إلى الرمزية في التناول لم يقترب من سخرية “نجم” و”إمام” احدى ثنائيته الفنية المفضلة، بل تراه أيضًا يعتنى بانتقاء الألفاظ وكأنه يمارس رقابة ذاتية على فنه لا خوفًا من السلطة ولكن مرضاة للجمهور،  ولا عجب فى أن برنامجه “ريميكس” لم ينجح مع تلك الفئة لأنه كان خارج إطار ما يقدمه على المستوى الشخصي، رغم أنه كان يحمل بذرة تمرد فني مشروع ويعتبر أفضل إطلالة فنية له على الإطلاق.

فى النهاية حمزة ليس مطالبًا أن يسيس فنه ويتناول قضايا سياسية، كان اسمه حاضرًا فيها ولكن فى هذا الألبوم تشعر بأنه يحاول بشتى الطرق نفى تلك الاتهامات عنه باختياراته التى تجعله يشبه الدعاة الجدد والذين تنحصر مهمتهم فى الكلام المنمق الجميل الشكل الذى يقدم لك الخلاصة “تيك أواى”.

 




 تعليقاتكم

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

CONTENT MAK Company
الهمة
 كبريتة | حنولعها  محطتك إلى المشاهدة الرايقة .. مستقبل التلفزيون