عمار الشريعي الرجل الذي غاص في بحر النغم فأصبحنا “سميعة”

عمار الشريعي

حتى تلك اللحظة، أبحث عنها، تلك الحلقات التي كانت سببا أصيلا في حبي للموسيقى والغناء وتحولي من مجرد متابع عادي إلى ” سميع”، فهو بالفعل كان ” يغوص” داخل الأغنية لحنا وكلمات وأداء، لأعرف أن هناك أشياء تسمى “عُرب” ومقامات، وأبدأ في معرفة أسماء مثل مقام الحجاز ومقام الرست والسيكا والنهاوند، واسمع عن أنواع الأغاني مثل الموشح والدور والطقطوقة، كل هذا بسبب عمار الشريعي وبرنامجه ” غواص في بحر النغم”.

البرنامج الذي كان يبث إذاعيا كل أسبوع “حسبما أتذكر” كان يحمل وجبة موسيقية مكثفة تحمل شرحا ليس فقط للأغنية ولكن لتاريخ أصحاب الأغنية وصناعها وحينما أنتقل البرنامج إلى التلفزيون وحمل اسم “سهرة شريعي” في النهاية، كان يحمل أيضا كواليس العمل والمواقف التي مرت بصناعه أثناء صناعته.

السؤال هنا في ماذا كان يفكر عمار الشريعي حينما قدم هذا البرنامج لأول مرة؟ ببساطة نحن شعب عاشق للفنون وبالتبعية نعشق الموسيقى ولكننا ببساطة لا نستطيع الدخول إلى هذا العالم لأننا لا نعرف مسمياته، الشريعي يحملك حملا من منزلك إلى هذا العالم المكون من السلم الموسيقى والمقامات فلا تملك إلا أن تقف فيه وأنت مشدوه ومندهش من تلك الحالة التي يحملك إليها الشريعي في برنامجه.

الشريعي حينما انتقل برنامج إلى التلفزيون حمل شعار ” إزاى تشوف الموسيقى” بالفعل هذا ما فعله عمار، وكـأن القدر يقرر أن يكون هذا الرجل الذي حرمه الله من نعمة البصر فوهبه الموهبة والبصيرة، هو من يقودنا نحن المبصرين إلى ذلك العالم الواسع الثري الغني بالتفاصيل الذي يسمى الموسيقى.

عمار الشريعي لم يتوقف فقط عند حد محاولة تعليمنا أساسيات الموسيقى أو تعريفنا بذلك العالم، ولم يكن من الناس التي تولي جل اهتمامها لأسماء الكاتب والملحن والموزع ولكن في حلقات الشريعي تسمع ألقاب زي “أسطى الناي” لتتعرف على عازف الناي المهم “سيد أبو شفة” أو تتعرف على الناياتي سيد سالم أو العازف عباس فؤاد أو غيرهم من الأسماء التي يسردها الشريعي في برنامجه.

وكأن الهدف من البرنامج أن يعرفنا أيضا بأبطال هذا العالم الذين لا نعرفهم وكانوا هم أعمدة ذلك العالم، لم يقف عمار الشريعي فقط عند حد الأغاني القديمة فكان يشرح ويشّرح كل أغنية مميزة وكل تتر مميز، الطفرة التي حدثت للبرنامج حينما انتقل للتلفزيون وصاحبته الفرقة الموسيقية جعلنا ندخل في مرحلة أكثر جمالا واحترافية.

كان بإمكان الشريعي أن يسمعنا المقطوعة الموسيقية بشكل أبطأ لنستطعم النغمات أكثر، تحول من الحديث عن الأغاني للحديث عن الموسيقى التصويرية وعمل حلقات كاملة عن موسيقيين مثل الحلقة التي عملها عن أندريا رايدر والحلقة التي عملها عن على إسماعيل وغيرها من الحلقات التي تعد حتى هذه اللحظة كنوز غالية وثمينة في تاريخ الغناء المصري.

الشريعي الغواص في بحور النغم، ربما هو الأول والأخير إلى الآن الذي يقدم برنامجا هدفه تقريب الناس من الموسيقى وتحويلهم من المستمع إلى السميع، بعد حلقات الشريعي قد تجد نفسك تهتف على جملة موسيقية قائلا: “عظمة على عظمة” أو تعرف بمجرد السمع أن تلك نغمات فلان الفلاني، أو كلمات الشاعر فلان، عمار الشريعي الرجل الذي محا جهل الأذن والروح أيضا.




 تعليقاتكم

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

CONTENT MAK Company
الهمة
 كبريتة | حنولعها  محطتك إلى المشاهدة الرايقة .. مستقبل التلفزيون