رئيس مجلس الإدارة : رشا الشامي

رئيس التحرير : أسامة الشاذلي

كبدة العربيات بتيجي منين؟ .. رحلة “ساندوتش مستورد” يهدد حياتك

عربية كبدة

المعلم

“لحوم وكبدة فاسدة مجهولة المصدر” .. جملة كانت بمثابة شبح يخيف كل من يسمعها، يربطها على الفور بحالات التسمم أو الوفاة بالطبع، فيقرر مقاطعة منتجات اللحوم المجمدة لفترة، حتى تشتهيها النفس فيتناسى شبحها القديم ويأكلها مرة أخرى.. لكن في 2017 الوضع يبدو مختلفًا فاللحوم الفاسدة معلومة المصدر وبخاصة الـ كبدة، لا يخشاها كثيرون بل تُباع على الملأ والبعض يتنوالها بشكل يومي.

يصطف ملايين المصريين يوميًا على عربات الكبدة، يأكلون أكثر من ساندوتش ببضعة جنيهات، ورغم معاناة بعضهم من آلام بالبطن عقب تناولها مباشرة، وسخريتهم من تلوثها بل سميتها بإطلاق أسماء “تلوث.. نتانة.. هوهو” كـ اسم بديل لعربات الكبدة، إلا أنهم في الوقت نفسه لا يكفون عن تناولها مرددين “معدة المصري تهضم الزلط”.

“معدة المصري تهضم الزلط” مقولة ثبت عدم صحتها تمامًا بعد إصابة كثيرين بالتسمم عقب تناولهم هذه السندوتشات، وإصابة آخرين بأمراض الكبد كالفيروسات الكبدية أو أمراض الكلى والتي تصل للفشل الكلوي وتليف الكبد والسرطان أيضًا.. فما مصدر هذه الكبدة الفاسدة ورحلة وصولها إلينا، وما هو سعرها؟

نتفق أن الكبدة التي نتناولها لدى العربات ليست كبدة بلدي بالتأكيد لأنه البلدي سعرها بيعدي الـ 150 للكيلو، أما العربات فتقدم لزبائنها كبدة مستوردة مجمدة، وبعد جولة أجراها مراسلنا على أكثر من 25 عربة كبدة في مصر –لا يعلق منهم أي شهادة صحية لممارسة مهنته- وعدد من منافذ بيع اللحوم المجمدة وتجار الجملة، عرفنا أن سعر هذه الكبدة يتراوح بين 25 و45 جنيه للكيلو.

وأقنع مراسلنا أكثر من تاجر جملة أنه سيشتري منه كمية كبيرة من الكبدة المجمد “لانشويل” و”سويفت” أشهر أنواع الكبدة المستوردة لدى عربات الكبدة المصرية، للحصول عليها بسعر أفضل فوصل سعرها إلى من (23 -20) حسب التاجر، كلما قررت شراء كمية أكبر قل السعر “هيخدمك عشان الجملة”.

عربيات الكبدة في مصر .. أسماء تسد النفس وأسعار تفتحها تاني؟

الكبدة المستوردة كانت تباع أيضًا منذ ما يقرب من 15 عامًا بأسعار تتراوح بين 7 إلى 10 جنيهات.

كانت مصر تستورد أكثر من 175 ألف طن كبدة سنويًا من البرازيل في عام 2014 (1)، وكمان اللحوم المستوردة كانت بتمثل أكثر من 55% من الاستهلاك المحلي ومعظمها من البرازيل وأمريكا والهند ودول أخرى، وفقًا لشعبة مستوردي اللحوم بالغرف التجارية، بينما قلت كمية اللحوم المستوردة من البرازيل  خلال عام 2016 إلى ما يقرب من 168 ألف طن من أصل 300 ألف طن يتم استيرادهم، حسب وزير الزراعة(4).. لكن كيف تصل هذه الكبدة بهذا الثمن الرخيص إلى المستهلكين في مصر؟

قبل تصدير هذه الكبدة يتم تجميدها، ثم تُحفظ عند 18 درجة تحت الصفر، وتُشحن في ثلاجات إلى عدد معين من المستوردين المصريين، ثم يقوم المستورد بتوزيع هذه المنتجات على تجار الجملة، ومن ثم يقوم تاجر الجملة بتوزيعها على المحال أو العربات.

وخلال رحلة مراسلنا داخل عالم عربيات الكبدة، وجدنا أن بعضها يشتري ما يكفي حاجتها اليومية أو الأسبوعية؛ إذا كانت عربات صغيرة الإنتاج لا يأتي إليها عدد كبير من الزبائن، أو تشتري حاجة شهور ليتم تخزينها في فريرز وثلاجات خاصة بهم إذا كانت محال كبيرة أو عربات معروفة، وأن كيلو كبدة واحد بعد إضافة الكثير من البهارات التي تضيع أي رائحة غير جيدة، وقطرات خل مع “طشة تومة” ذات الرائحة النفاذة الجيدة، تلك التي تسيل لعاب أي جائع أو عشاق الكبدة، يجعلك تتحصل على ما يقرب من 40 ساندوتش صغير الحجم، يكاد يخلو من الكبدة.

حقن اللحوم المستوردة بينهم الكبدة بالطبع بالهرمونات الصناعية لتسمينها مضر جدًا، لكن تجميد الكبدة وتخزينها داخل أكياس أو علب بلاستيكية لفترة طويلة تصل لأشهر وربما سنوات لا يقل خطورة؛ إذ يفقدها قيمتها الغذائية أولًا، بل أن بعضها يفسد خلال هذه الرحلة الطويلة شحنًا وتخزينًا ويجعلها عُرضة لأن تصبح مسرطنة أيضًا لتفاعلها مع المواد البلاستيكية التي يتم تجميدها بداخلها، شأن أي مادة غذائية تتعرض للبرودة أو الحرارة وهي داخل مادة بلاستيكية والتفاعل مع مادة الدايوكسين السامة(2).

*الكبدة عبارة عن كتلة وتجمع دموي لا طريقة لغسيلها، بل أن البعض يفضل طهيها “بدمها” الذي يملأ الأكياس البلاسيتكية المجمدة بداخلها، بعض ربات البيوت تستخدمن الخل والليمون لتطهير الكبدة، وهي طريقة جيدة للتعامل مع الكبدة لكنها إن كانت فاسدة لن تفعل شيئًا.

المخيف إنه في عام 2017 قاطعت دول عديدة اللحوم البرازيلية المستوردة، لأنها مهرمنة وفاسدة بخاصة أكبر 3 مصانع لديهم، واعتذر الرئيس البرازيلي لأكثر من دولة محاولًا طمأنتهم تجاه سلامة لحوم بلده، واعتقال الفاسدين(3)، في حين أن وزارة الزراعة المصرية نفت وجود أي لحوم برازيلية  “فاسدة” بالسوق المصري (4)، الغريب أنه منذ عام 2013 وحتى عامنا الحالي مازالت وزارة الزراعة تُتهم بالسماح بمرور لحوم فاسدة إلى مصر، وأن المسؤولين عن الكشف على اللحوم المستوردة يكشفون على جزء فقط من البضاعة المستوردة أثناء وجودها في الموانئ مما يسمح بالتلاعب.

وفي 2013 اتهم عدد من أعضاء للغرف التجارية، وزارة الزراعة بالسماح بإدخال 40 ألف طن كبدة فاسدة للأسواق، وحتى 2017 يخرج مسؤول من وزارة الزراعة لينفي الخبر، أخرهم على سبيل المثال لا الحصر الدكتور ابراهيم محروس رئيس الهيئة العامة للخدمات البيطرية لدى الوزارة.

الصادم أن خبر ضبط أطنان من اللحوم المستوردة الفاسدة على مستوى الجمهورية، أصبح خبرًا عاديًا لا يلتفت إليه أحد، على سبيل المثال في سبتمبر الماضي ضبطت الحملات الأمنية أطنان من هذه اللحوم، وإذا قررت أن تقوم بجولة في شوارع مصر ستجد عربيات الكبدة والمحال الخاصة بهذه اللحوم ممتلئة وهناك من ينتظر دوره أيضًا.

لا يمكنا منع استيراد الكبدة أو منع العربيات التي أصبحت بمثابة التوك توك المنتشر بجنون في شوارعنا، لكن يمكنا أن نراقب العملية بشكل أكبر وأكثر أمانة.. ربما.

مصادر: (1)* (2)(3)* (4)*

 تعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

كبدة العربيات بتيجي منين؟ .. رحلة “ساندوتش مستورد” يهدد حياتك