رئيس مجلس الإدارة : رشا الشامي

رئيس التحرير : أسامة الشاذلي

عبلة عادل خيري الطفلة التي عبرت المانش (حُلم ماقبل الميلاد)

محمد الموجي

في أحد أيام عام 1974 طارت الطفلة المصرية عبلة عادل خيري ابنة الـ 13 عامًا، بصحبة والدتها إيناس حقي وشقيقتيها عزة وعطية إلى إنجلترا، لتحقق حُلمًا بدأت الأم خُطواته الأولى قبل ميلاد صغيرتها، لكنه لم يتحقق لظروف عديدة.

سمعت الطفلة والدتها إيناس حقي -أول مصرية تفوز ببطولة العالم لسباحة المسافات الطويلة 1955- تتحدث كثيرًا عن حلمها الذي لم يتحقق (عبور المانش)، وعن دعم الأخوين علي ومصطفى أمين لها بتحمل نفقات سفرها إلى أوروبا، بعد رفض الاتحاد المصري تحملها، رغم تحقيقها بطولة العالم وتكريم عبدالناصر وحصولها على وسام الجمهورية.

عطية وعبلة وعزة والدتهن إيناس حقي – أسرة عادل خيري

سوء الحظ كان أكبر عامل حرم البطلة المصرية من تحقيق حُلمها، لكنه أيضًا كان دافعًا ومحركًا قويًا لتحقيق الابنة لحُلم والدتها، وتحكي عبلة:

“للأسف ماما سافرت وقعدت فترة في إنجلتر، ساعتها ماكنش في تنبؤ بحالة الجو وكان سيء جدًا فبعد كام يوم انتظار رجعت القاهرة وماقدرتش تكون أول مصرية تحقق إنجاز عبور المانش”.

الحظ ربما لم يبتسم أكثر من مرة في وجه المحامية السباحة المصرية إيناس حقي، فمرة يرفض الاتحاد تحمل النفقات، وأخرى تتعرض لهجوم شرس من القناديل في فولكستون الإنجليزية، وثالثة يفسد سوء الأحوال الجوية محاولة عبور المانش تمامًا، لكن ما لم تعلمه إيناس أنه ربما كان يدخر لها هذه الابتسامة ليُطلقها مضاعفة في وجه ابنتها التي ستحقق رقمًا عالميًا جديدًا عام 1974، وأنها ستكون أول سباحة مصرية تعبر المانش وعمرها 13 عامًا.

“حلم أمي كان أكبر دافع ليا.. دايمًا كان عندي أمل إني هحقق حلمها اللي حكت لنا عنه كتير”.

رحلة الطفلة في طريق إنجاز المانش بدأت قبل الميلاد، بدأت حُلمًا تمنته الأم وربما شعرت به الطفلة جنينًا، حتى صار عمرها خمسة أعوام فعرفت حينها طريق السباحة وأصبحت جزءًا من حياتها وشاركت بعدة مسابقات للمسافات القصيرة.

“كنت بشارك في مسابقات المسافات الصغيرة، لحد لما شاركت في بطولة سباق النيل الدولي (مسافات طويلة)  اللي بيعملها الاتحاد بتشجيع من صديق العائلة المقرب كابتن أبو هيف”.

تتسمر الطفلة في مكانها أمام نهر النيل، تنظر إلي مياهه المخيفة والفزع يملأ عينيها، ومع صافرة البداية دفعها أحدهم من الخلف لتسقط في المياه وتنطلق بصحبة زميلاتها مرغمة في سباق هو الأكثر رعبًا، استمرت عبلة في السباحة لمدة 3 ساعات تقريبًا وحققت المركز الثاني.

“لو دفعولي مليون جنيه عشان أعوم في النيل هرفض.. الأمر كان مرعب جدًا جدًا.. مواشي نافقة وصدى صوت وورد النيل ومياه النيل ثقيلة جدًا بالطبع، بالإضافة إلى تيارات جامدة جدًا”.

بعد أن عامت الطفلة 32 كيلو في نهر النيل محققة المركز الثاني، اكتشفت أن كابتن أبو هيف هو من دفعها في مياه النيل لبدء السبق واللحاق بزميلاتها، وهو أيضًا من شجعها على خوض محاولة عبور المانش، بعد علمهما أن الحاصلين على المركز الثاني والثالث سيسافرا إلى إنجلترا للمشاركة في محاولة عبور المانش -الأول يشارك في بطولة أخرى- ليقترب حُلم الأم من الصغيرة من غير تخطيط مسبق.

“بقول دايمًا إن زقة الكابتن الكبير أبوهيف ليا في النيل هي بداية عبور المانش.. النيل كان من أصعب الحاجات اللي قابلتها.. السباق ده شجعني وابتديت استعد للمانش وأدرب نفسي في نادي الجزيرة على العوم في المية الساقعة بفصل الشتاء”.

طارت ابنة الفنان الراحل عادل خيري وحفيدة العملاق بديع خيري بصحبة أسرتها الصغيرة إلى شمال إنجلترا؛ للمشاركة في بطولة ببحيرة ويندرمير قبل محاولة المانش، إلا أنه تم استبعادها من هذه البطولة بعد معرفة عمرها (13 عامًا)، لتركز فقط في تدريبات المانش، حتى فاجأوها بأن اليوم ستكون محاولتها للعبور، بعد استطلاع الأحوال الجوية.

“تجربة ويندرمير كانت مفيدة لأني عومت في مية حرارتها 3 و4 درجة مئوية، فكان استعداد كويس للمانش، ولما عرفت ميعاد المحاولة كنت فرحانة جدًا وماخوفتش؛ عايزة أخلص وكان سني صغير وبحب المغامرة”.

750 دقيقة من السباحة تقريبًا بالإضافة إلى زمن 3 خطوات على البر، كانت هي المدة الزمنية التي استغرقتها عبلة ذات الـ 13 عامًا للوصول إلى فرنسا من إنجلترا وعبور المانش، والمغامرة التي بدأت الساعة 12 ظهرًا بالطبع لم تخل من العقبات.

العقبة الأولى كانت بعد مرور 5 ساعات فقط من بدء المحاولة، حينها طلب منها مدربها أن تعوم بشكل أقوى وأسرع وظلت تفعل ما يطلبه المدرب من دون أن تسأل لماذا، لمدة ساعة تقريبًا، حتى أدركت أنه لو لم تفعل ذلك لربما أعادتها تيارات المياه إلى الخلف وكأنها لم تنجز شيئًا، أو على الأقل كانت ستظل في مكانها من دون تقدم.

تصاب الفتاة بإحباط رغم تغلبها على هذا التيار الشديد، حتى يخبرها مدربها ووالدتها أنها تحقق رقمًا جيدًا رغم التيار وعليها أن تستريح قليلًا لتواصل إنجازها المأمول.

“طول ما الدنيا منورة كنت كويسة، لكن مع الليل ماكنش فيه غير نور الفسفور في قاع البحر، الضلمة كانت مخيفة، اترعبت وصوت خبط المركبين اللي بتكون جنب المتسابق في بعض رعبني أكتر، حاولت أداري خوفي عن الحكام وماما وفضلت أقرا قرآن”.

محاولة الصغيرة لإخفاء خوفها عن الحكام ربما نجحت، لكن الأم أدركتها بالطبع، الأمر الذي دفع الأم لتناسي حُلمها تمامًا، وطالبتها بالصعود إلى المركب وعدم استكمال المحاولة.. لكن الصغيرة أصرت على المواصلة”.

وبعد أربعين كيلو متر تصل أصغر وأول سباحة مصرية تعبر المانش إلى فرنسا، وتتكرر لحظة تشبه لحظة التسمر أمام النيل مرة أخرى، ربما عطلتها عن تحقيق حُلمها لدقائق معدودة.

“كان لازم عشان أتم عبور المانش أخرج من البحر وأمشي 3 خطوات على أرض فرنسا.. وهنا كانت المشكلة إن الأرض دي كانت عبارة عن صخور.. وأنا مابحبش الصخور.. فضلت شوية في مفاوضات معاهم لحد لما اقتنعت إني لازم أعمل كدا وحققت حلم أمي بعبور المانش”.

احتفلت الطفلة بصحبة والدتها وشقيقتيها ومدربها بالعبور، وبمجرد أن وصلت إلى محل إقامتها كانت وسائل الإعلام تترقبها والإنجليز يهنئونها بالنصر، بينما هي لا تفكر إلا فيما ستأكل الآن ثم اندفعت نحو أحد المحال التجارية لتشتري قطعة من الشيكولاتة كانت هي الهدية الأولى لعبور المانش إذ رفض صاحب المتجر أن يحصل على النقود، وبمجرد عودتهم إلى القاهرة أصرت الأم على زيارة أول من دعم هذا الحُلم، فاصطحبت ابنتها في زيارة إلى الأخوين مصطفى وعلي أمين.

السباحة التي عبرت المانش عبلة عادل خيري

 احتفالات كثيرة وتكريمات عديدة تلقتها الفتاة أبرزها حصولها على وسام الجمهورية من قبل الرئيس السادات وتغطية رويترز للحدث.. لكن ظل مانشيت كتبته إحدى الصحف الإسرائيلية عام 1974 هو الأقرب لها وجعلها تشعر بالفخر:

“المصريون حققوا عبورين كبيرين خلال عامين”.. في إشارة إلى نصر أكتوبر العظيم ونجاحها في عبور المانش.

لم تكن هذه هي المرة الوحيدة التي عبرت فيها عبلة المانش، إذ عبرت مرتين أخرتين الأولى كانت خلال البطولة العربية عام 1975 وعبرت خلال 630 دقيقة أي بفارق 120 دقيقة عن المرة الأولى، والأخيرة كانت 1977 ولكن هذه المحاولة لم تُستكمل؛ إذ حاولت السباحة الصغيرة أن تعبر المانش ذهابًا وإيابًا، إلا أنها فقدت وعيها بعد 25 ساعة من العوم وقبل مايقرب من ساعة على إنهاء المحاولة.

ومن البطولات التي حصلت عليها عبلة أيضًا بطولة “كابري نابولي” في إيطاليا وعمرها 15 عامًا تقريبًا، وبطولة الجمهورية للمسافات القصيرة لبضعة أعوام.

 تعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

كبدة العربيات بتيجي منين؟ .. رحلة “ساندوتش مستورد” يهدد حياتك