طريد الفردوس .. التكفير لمجرد التفكير

طريد الفردوس

شتاء عام 1953، وتحديدا شهر ديسمبر من هذا العام، نشرت دار الهلال المجموعة القصصية ” مدرسة المغفلين” للأديب الكبير توفيق الحكيم، تلك المجموعة التي ضمت بين طياتها 10 قصص، من بينها طريد الفردوس وليلة الزفاف واللتان تحولتا لفيلمين يحملان نفس الاسمين، ولكن الحديث اليوم عن طريد الفردوس والجرأة التي كانت سبباً في تقديم الفيلم.

الفيلم من إنتاج المؤسسة المصرية العامة للسينما وتحديدا شركة “فيلمنتاج” وعرض في 12 مايو عام 1965، من إخراج فطين عبدالوهاب، وكتب السيناريو علي الزرقاني والحوار بكر الشرقاوي بينما شارك في السيناريو والحوار ” توفيق الحكيم ومحمد أبو يوسف ومحمد مصطفى سامي” بالمناسبة ذلك السطر ربما يحمل أهم كتاب السيناريو والحوار في جيلي الخمسينيات والستينيات على الإطلاق وكل اسم منهم علامة في عالم السيناريو والحوار.

وبالطبع البطولة لفريد شوقي، تلك الشراكة الفنية التي بدأت في النصف الثاني من الخمسينيات بين فريد شوقي وفطين عبدالوهاب، الشراكة التي أسفرت عن أفلام مختلفة كليا وجزئيا عن كل ما قدم فريد شوقي في تاريخه مثل ساحر النساء وصاحب الجلالة وبالطبع فيلم طريد الفردوس.

طريد الفردوس الذي يحكى قصة عليش الذي يموت فترفضه الجنة وترفضه النار فيعود للأرض، تلك الجملة فقط إذا قدمت قبل ذلك بأعوام للرقابة كانت كفيلة بان تجعل الفيلم مجرد مشروع غير مكتمل يحتاج العديد من التغييرات حتى تتم الموافقة عليه، مثلما فعلت الرقابة مع فيلم بابا أمين عام 1950 ليوسف شاهين حينما اعترضوا على النهاية وحولوا الفيلم من رجل يموت ويحاول إصلاح ما أفسد قبل أن ينتقل نهائيا إلى الدار الآخرة إلى رجل يحلم انه مات ويعود ليصلح ما أفسده، تحول ربما جعل الفيلم مطروحا للعرض ولكنه أفقده الكثير من الجمال.

طريد الفردوس هو الآخر، الذي لم تعترض عليه الرقابة وقت صدوره، أفقدته رقابة القنوات وقت عرضه على شاشات التلفاز الكثير من جماله ورونقه، فحينما حذفت الرقابة في التلفزيون حوار عليش مع الجنة بصوت عماد حمدي والنار بصوت توفيق الدقن جعلت الفيلم أقل جمالا وأضعفته فعليا.

الغريب أن هذا الفيلم قدم في الستينيات، ورغم كل ما يقال عن تلك الحقبة من تشديدات أمنية، وما بها من انتقادات إلا أن السينما وقتها كانت حرة تماما في تناول ما تريد من مواضيع وأفكار، بينما الآن يكفي أن تقرأ التعليقات على الفيلم على موقع اليوتيوب لتعرف إلى أي درجة أصبحنا لا نريد حتى التفكير بشكل مختلف وأصبحنا أكثر حساسية تجاه الكثير والكثير من الأشياء.

فطين عبدالوهاب كان من الجرأة ليقدم تلك القصة، بهذا الشكل والأسلوب، ليقدم حوار الجنة والنار بهذا الشكل الخفيف البسيط المتبسط، فلا يعقل أن يصعد الإنسان إلى السماء بعد موته ليحدثهم بالفصحى المقعرة، فطين عبدالوهاب وكتيبة الكتاب تعاملوا مع الموضوع بواقعية شديدة جاءت في الحوار البسيط السهل المنطقي.

ذلك المشهد تحديدا هو أكثر مشهد أثار انتقادات عند الجمهور حاليا، وجميعهم علقوا على لغة الخطاب بين عليش وبين الجنة والنار ونحمد الرب أنهم لم يعلقوا على أن من قام بصوت الجنة عماد حمدي ومن قام بصوت النار هو توفيق الدقن.

طريد الفردوس هو مثال حي وواضح لكيف نتقدم في التكنولوجيا بينما نتأخر حتى في طريقة التفكير، هل يمكن أن يدعى أحد مثلا أن مصر في الستينات كانت أقل إيمانا بالله من مصر الأن، الحقيقة أن من يدعى ذلك إما متخلف أو متخلف ” ملهاش حل” ولكن الفرق بسيط، ان وقتها لم يتم اختصار الدين في شوية مظاهر شكلية مثل الأن.

طريد الفردوس تحفة سينمائية حرمتنا جرأته ورقابة التلفزيون المصري والقنوات الفضائية من الاستمتاع بها كاملة، فقط خوفا من بعض التعليقات مثل التي تراها على صفحة الفيلم في موقع يوتيوب.




 تعليقاتكم

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

CONTENT MAK Company
الهمة
 كبريتة | حنولعها  محطتك إلى المشاهدة الرايقة .. مستقبل التلفزيون