ريم بنا زهرة فلسطين البرية ونضال الأنغام

ريم بنا

عندما كانت فى الحادية عشر من عمرها، اكشتفت الأم صوتها الجميل، كان مخيلة الطفلة “ريم” فى ذلك الوقت أنها لن تحيى الحياة سوى مناضلة ضد الإحتلال ، لكن الأم اقتنعتها بأن المقاومة ليست فى حمل السلاح فقط، وشجعتها على أن الغناء قد يحمل فى طياتها رسائل مهمة ضد القهر والظلم، فقررت تكريس صوتها لخدمة القضية وحسب .

انطلقت الطفلة تشارك فى الحفلات والمناسبات الوطنية، سافرت من مدينة إلى أخرى ، ومن قرية إلى أخرى ، تؤدي “التهويدات الفلسطينية”. التى أصبحت بصمتها الفنية الخاصة بها.

لم تكن فلسطين فى غناء “ريم” تلك البقعة المحتلة، والتى كانت الوسيلة التى تاجر بها العديد تحت إسم النضال بالغناء، ريم كانت تقدم التراث الفلسطينى، وكأنها تريد أن تصل بصوتها رسالة إلى العالم أجمع، نحن لم نمر من هنا، نحن خلقنا هنا، لم نأتى من بعيد لكى نتصارع على هوية أو أرض، نحن الهوية ونحن الأرض، كان إنحيازها للقضية إنحيازًا مطلقًا لا مساومة فيه وكأنها جبلت على العيش فى نضال ومقاومة فمن وطن محتل، لمرض خبيث يحتل الجسد, وكأنها ولدت لتناضل وماتت وهى تقاوم.

بدايات ريم الإحترافية كانت فى العام 1985 حيث أطلقت ألبومها الأول”جفرا” والذى كان اسمه يرمز إلى الأغنية الفلسطنية التراثية “جفرا” ثم واصلت بمجموعتها الثانية”دموعك يأأمى” فى العام التالي.

سافرت بعدها ريم لدراسة الموسيقي فى موسكو وهناك تقابلت مع الأوكرانى ” ليونيد ألكسيينكو”الذى سيصبح زوجها فيما بعد وعادت مرة إخرى إلى الناصرة حيث ساهمت فى إحياء التراث الفلسطينى مرة أخري وبالأخص أغانى الأطفال ، وسجلت ألبومها الأيقونى “الحلم” بمشاركة زوجها فى العام 1993، أطلقت عدة مشاريع فنية أخرى أغلبها كان يتحمور موسيقاها من التراث الفلسطيني، وشاركت فى العديد من الإحتفاليات والنشاطات العالمية الخاصة بحقوق الإنسان، وكان أسلوبها الموسيقى يعتمد على دمج التهاليل والتهاويد الفلسطيينية بالموسيقى العصرية، وأختارت أشعارًا من التراث قدمتها بشكل حداثى خاص بها، وكان همها هو الحفاظ على تلك النصوص من النسيان وأن تبقى حاضرة فى ذاكرة كل الأجيال .

كان لها مشاركة عالمية فى ألبوم غنائى أطلقه الموسيقار النرويجى “الين هلشتاد” كردًا على خطاب الرئيس الأمريكى الذى تحدث فيه عن محور الشر وشاركت فيه “ريم” بجانب المغنية “كاري بريمنس” وكان عنوانه “تهويدات على محور الشر” وكان الألبوم بمثابة رسالة قوية رافضة للحرب على العراق، ومعارضة للسياسات التوسعية الأمريكية فى الشرق.

كان أخر ألبوماتها فى العام 2013 بعنوان “تجليات الثورة والوجد” والذى قدمت فى أشعارًا مختلفة لأبن الفارض وبدر شاكر السياب وراشد حسين ومحمود درويش .

حصلت على العديد من الجوائز والتكريمات العالمية والعربية، ففازت بجائزة فلسطين للغناء العام، وشخصية العام من وزارة المرأة فى تونس، وتكريم أخر فى كازاخستان في المهرجان العالمي للأغنية, ولقب سفيرة السلام من إيطاليا.

في عام 2009 سقطت ريم بنا في براثن سرطان الثدي، والذى جلب لها مشاكل صحية عدة فأصيبت بشلل فى الوتر الصوتي الأيسر، حتى أضطرها المرض التوقف تمامًا عن الغناء وتحول النضال إلى نضاليين، وكان جمهورها يتابع تطورات مرضها من على صفحتها الخاصة على الفيس بوك، والتى كانت متنفسها الوحيد لأعلان رفض الإستسلام للمرض ومقاومته بكل ضراوة، تشاكس الجمهور تارة، وتبكيه تارات أخري، لكنها كانت كالفراشة تترك أثرها فى كل مرة .

هناك اشخاص تشعر بأنهم هبة من السماء، أصوات تهب الروح ومضات رائعة مغلفة بالصدق باعثة على الأمل، تجعلك قادرًا على هزيمة أى يأس وأى إحباط، السماء استردت هديتها اليوم، ورحلت ريم بنا بعد أن انهكها المرض وتركتنا نقاسى ألم الفقد،  غاب صوت ريم بنا عن الغناء، لكن تظل ريم فى القلب، كزهرة برية لا تهاب الريح، تغنى وتقاوم وتناضل لتشق طريقها نحو الحرية، وكانت أخر كلماتها

وحدهم أحبتي مَن حولي لا يتذمرون

وحدهم أحبتي لا يفقدون الأمل ولا يكلّون

وأنا بين حد سيفين

في غيبوبة التأمل

أتدرّب على نهاية ساخرة




 تعليقاتكم

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

CONTENT MAK Company
الهمة
 كبريتة | حنولعها  محطتك إلى المشاهدة الرايقة .. مستقبل التلفزيون