رئيس مجلس الإدارة : رشا الشامي

رئيس التحرير : أسامة الشاذلي

رأيت الله في “الأمير سلمان”!

رأيت الله في “الأمير سلمان”!

وائل البحار

شدني منظره تحت المطر عندما كنت متوجها الى مفترق جسر السعديات لاستلم الاوتوسراد السريع ذاهبا الى منطقة الجية..

كان على الجهة المقابلة وقد لفت انتباهي الكلب الاعرج المصاب الذي يلحقه بأصرار بالاضافة الى كلب اخر كان يسير معه مقيدا بحبل ..

شدني المنظر لكني لم اكن لاتوقف نظرا لانني كنت مستعجلا فقد كان علي ان اذهب الى منطقة الجية لابدل جرة الغاز فالضيوف سيكونون عندي بعد ساعة على مائدة الغداء..

اثناء عودتي من منطقة الجية اتصلت بي حنين لتطلب خبزا و بعض الاغراض الاخرى الامر الذي جعلني اعود الى الاوتستراد السريع قاصدا مخبز شمسين فالتقيته مجددا وقد قطع سيرا على الاقدام مسافة تزيد عن الثلاثة كيلو مترات ومعه الكلبين !

اهو مجنون ؟

تجاوزته بسيارتي ثم توقفت على جانب الطريق،

الكلب الاعرج المصاب يلاحقه باصرار،

لا احد يقتني كلبا مكسور الرجل، المجانين ايضا لاتفعل ذلك !

اخذت اراقبه بمرآة السيارة الخلفية هو يقترب رويدا رويدا ،

عندما اصبح بمحاذاتي ناديت عليه

  • هيه …. كيف حالك ؟

توقف عن المسير ونظر اليّ بريبة !

كان نحيلا باواخر الاربعينات من عمره ذابل الملامح ذو عينان عسليتان واسعتان وذقن عريض يرتدي ملابس رثة كالمتسولين وان كانت منسقة بعض الشيء ، ملامحه لاتختلف كثيرا عن ملامح اي مسحوق في هذه الارض ملامح قد حفر فيها الزمن اخاديد حادة من البؤس والشقاء لتضيف الى سنوات عمره مزيدا من العمر…

واضح انه ليس متسولا برغم ملامحه وثيابه :

-بخير!

– هل يمكنك ان تقترب قليلا؟ !

اقترب مني واقترب معه الكلبان الذان شعرا بوجود كلبي “اوليفر” معي بالسيارة فاخذا يتبادلان العواء

لما راى كلبي ارتاح لي ولاح طيفا من الفرح بعينيه، اقترب الى شباك السيارة وسألني :

-تفضل ؟ اية خدمة؟

نظرت الى وجهه مباشرة وسألت :

هل هذان الكلبان لك ؟

اجاب:

– انهما يقطنان الحي الذي اسكن به في حارة البعاصيري (منطقة ريفية صناعية في بلدي لبنان)!

ثم نظر الى كلبي (اوليفر) الجالس بجانبي في السيارة قائلا:

  • انت تحب الكلاب ايضا ؟

تجاهلت سؤاله مشيرا الى كلبه الأعرج …هل تدري ان كلبك هذا بحاجة لعناية طبية ؟

اجابني بلكنة سورية واضحة : هذه “ستيلا” كلبة، اعرف، الشيء الوحيد الذي يمكن ان افعله لها هو ان ابعدها عن هذا “المجتمع الحقير”!

صراحته المباشرة لفتت انتباهي ..

  • وماذا تفعل لكي تبعدها عن هذا المجتمع الذي اتفق معك في حقارته ؟

اجابني :

– اخذها الى مكان عملي في الدكوانة …لقد انتظرت يوم الاحد لأخذها ، لم اعد احتمل ان يعذبهما حثالات الحي من اطفاله وكباره!

كنت قد قرات في الايام الماضية عن مجزرة للكلاب قضي فيها 25 كلبا حرقا في منطقة الدبية القريبة من حارة البعاصيري واعرف مدى وحشية وتخلف هذه المنطقة بالذات مع الحيوانات عموما والكلاب خصوصا، لكن ما صدمني في جوابه ان منطقة الدكوانة التي يقصدها على بعد 25 كلم تقريبا منه فسألته لاتأكد:

  • أانت ذاهب الى هناك ؟
  • اجابني بلامبالاة:
  • نعم الى معمل النجارة حيث اعمل، يمكنني ان احميهما هناك بشكل افضل..

قلت له محاولا تصديق ما قاله:

اتقصد انك ذاهب مشيا على الاقدام؟

-اجابني ليس معي نقود كافية معي 2000 ليرة ولا احد يريد ان يقلني مع هذه الكلاب …انهم حقراء يعتقدون بان هذه الكلاب نجسة ..انها “اطهر من اطهرهم” !

اعجبني تعبيره الواقعي “اطهر من اطهرهم” ،هذا التعبير المستعار من الشاعر الشهير “مظفر النواب” الذي بالتأكيد لا يعرفه !

قلت له : على الارجح لن تجد من يوصلك !

قال لي :ساحاول ان اوقف سيارة لتقلني فان استطعت كان به ،وان لم استطع فاسأتابع الطريق سيرا على الاقدام … لا ارتجي شيئ منهم …ما اصعب ارتجاء الدبس من قفا النمس !

قال عبارته الاخيرة في بالعربية الفصحى مما جعلني اشك بانه لايعرف “مظفر النواب”..

اطفئت محرك سيارتي وتمنيت في داخلي ان يكون صادقا فعلا ،

سالته: الهذه الدرجة تحب الكلاب؟

اجابنى بلغة لم اتوقعها :

الامر مرتبط بانسانيتي الموصولة بالله، هذه الكائنات لها حياتها ولغتها انها تشعر وتتالم وتفكر مثلنا ،لكن البشر هم حثالة المخلوقات ، البشر الحقيقيون هم قلة، ان ما تراهم كل يوم هم اكثرية من الشياطين انهم يتلذذون بتعذيبهم،لا استطيع تركهم ولو كلفني ذلك حياتي …

قلت له بصدق:

– اتمنى ان اساعدك ..

قال لي

– اشكرك انت انسان طيب

فقلت له:

حقا اتمنى ان اساعدك ..هل تعمل ؟

اجابني : قلت لك انني اعمل في الدكوانة ..

-صحيح صحيح ..

نظرت اليه والى الكلبين :

ساعطيك رقم احدى الجمعيات التي تعني بالعناية بالحيوانات …اتمنى ان تتصل بهم من اجل كلبتك المصابة ..

اجابني بفرح:

  • ساكون ممتن لك جدا

اخرجت ورقة من جيبي وكتبت له رقم احدى الناشطات بمجال حقوق الحيوان واعطيته اياه قائلا :

اتصل بها ..

فاخذ الورقة فرحا وسألني :

-هل يستطيعون معالجتها ؟

قلت له :

اتمنى ذلك ..

فقال بريبة

-هل سيكون ذلك على حسابهم ؟ لا املك اية تكاليف علاج..

-ان كانوا يستطيعون معالجتها فسيكون ذلك على حسابهم ..

ابتسم بفرح ..

ادرت محرك السيارة لاذهب فشكرني بشدة وقال لي :هل يمكنني ان اطلب شيئا ؟

فقلت له

  • تفضل ؟

قال لي

  • اريد شراء تنكة بيرة فالطريق طويل ومعي فقط الفا ليرة اخاف ان صرفتها تتوقف علي سيارة لتقلني فلا اكون عندها املك اية نقود ..

ضايقني سؤاله لكنه اضحكني عندما سالته وكم ثمن البيرة فقال لي :

الwideman ب 1250 والefes ب 1500  و”الالمازة”ب٢٠٠٠ ……يكفيني 1500 !

سالته :

الا تملك فعلا اية نقود ؟

فاجابني :

انه اخر الشهر وهو يصيب الجميع بنسب متفاوتة !

كان جوابه ملجما للغاية لانه فعلا اخر الشهر وكلنا نعرف “متلازمة” اخر الشهر جيدا !

اعطيته الفا ليرة فشكرني واخذ يدعو لي …

قلت له قبل ان اغادر

  • اتعرف ما الذي اتمناه ؟
  • ماذا ..؟
  • اتمنى ان تكون صادقا !

فابتسم دون ان يعلق …

***

ابتعدت بسيارتي لكيلومترين وانا افكر فيه ..

هل هو صادق حقا ؟

هل تتجلى الرحمة الإلهية في اشخاص وتزور بلادنا احيانا !

لم تغب صورته عن ذهني

عدت بسيارتي الى الاوتوستراد السريع لاتفقده، فوجدته وقد توقف عند احد الاكشاك التي تبيع سجائر ومشروبات روحية …رايته من بعيد يشتري فعلا تنكة بيرة ومعها كيس صغير من البطاطا الشيبس..

ما ادهشني انه فتح الكيس للكلبين الذان اخذا ياكلان منه بنهم ..فيما وقف هو بجانبهما يحتسي البيرة وعندما انتهيا تابع المسير !

كان صادقا في هذه على الاقل ..لقد اشترى بيرة …ولم يتمزمز بالبطاطا بل اطعمها للكلبين

تجاوزته بسيارتي ومضيت الى سوبر ماركت ابي خليل على بعد 5 كيلومترات ا لاحضر اغراض البيت

لم يغب عن ذهني

تعمدت ان اتأخر في السوبرماركت لنصف ساعة لعلني القاه عندما اخرج …

عندما خرجت من السوبرماركت جلست في السيارة انتظر مروره على الاوتوتستراد …

هل سيظهر ؟

هل سيظهر ؟

هل سيـ

لقد ظهر من بعيد تحت رذاذ المطر ومعه الكلبان ….

ان هذا الرجل حقا ماضيا سيرا على الاقدام الى الدكوانة!

انه صادق في هذه ايضا !

هنا استوقفته مجددا … وخرجت من السيارة وناديته

جلسنا انا وهو على عشب الرصيف

طلبت منه ان يحدثني عن نفسه مقابل تنكة بيرة اخرى فاجابني انه اخر الشهر

ولا يريد ان يستنزفني فقلت :له لا عليك ……

تحدثنا ….

اسمه سلمان

عرفت انه سوري الجنسية لكن اصوله – حسبما قال- من امراء منطقة نجران التي ويصر على اضافة، لقب امير الى اسمه “الأمير سلمان” ..!

كان واسع الاطلاع بشكل ملفت، يجيد التعبير عن افكاره بشكل مباشر ودون مواربة !

كان فعلا يعرف مظفر النواب ويحفظ اغلب قصائدة، كما يقرض الشعر باحتراف الشعراء المجانين! ويعرف المنطقة التي تنحدر منها اصوله معرفة تاريخية معمقة !

كان فقير جدا… وغني جدا

حدثني عن الحياة والامها واحتكاكه الشرس معها

حدثني عن ترحاله الدائم وماذا عرف واكتشف

حدثني عن فلسفته في الزواج والموت والحرب وطبيعة الانسان

حدثني عن الله الذي يعرفه والذي رايته يتجلى في انسانيته وصدقه ..

شكرني بشدة واصر على عدم اضاعة وقتي اكثر، رافضا ال5 الاف ليرة التي اردت ان اعطيها له قائلا ان ما فعلته معه لا يقدر بثمن …

فقط تمنى ان يراني مرة اخرى ..

ومضى …

ومعه الكلبان …

( للإخوة المهتمين في مجال حماية الحيوانات الذين لديهم اي امكانية لمعالجة الكلبة المكسورة الرجل التي معه.. عنوان عمل (سلمان حسن) كما عرفت منه: “الدكوانة” – مقابر الارمن – منشرة “محمود نسب”)


 تعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

CONTENT MAK Company
الهمة