الدستور المصري لجورج وسوف

جورج وسوف

«اللي ماغنّاش في مصر ماغنّاش»، هكذا قالت شيرين عبد الوهاب وسبقها كبار الموسيقيين والمطربين بشمول الوطن العربي، حتي أصبحت هذه القاعدة متأصلة داخل نفس جميع مبدعي الوطن العربي، فمصر هي المستوي الأخير (القمة) التي يأمل الفنانون الوصول إليها.

ينثر المصريون البريق المُلمّع علي الفنان الذي يستطيع لمس نفوسهم من الداخل، يرسموا اللمسة الأخيرة ويستخرجوا شهادة ميلاده الفنية من «هيئة الوعي الجمعي للمصريين»، فتجد المزاج المصري انقسم إلي «كلثومي أو فيروزي»، علي الرغم من أن فيروز ليست مصرية، ولكنها راقت لـ «المزاج المصري الحنين»، ناهيك عن احتضان المصريين لصباح (اللبنانية) ووردة (الجزائرية) وعزيزة جلال (المغربية) وهند صبري (التونسية) وغيرهم.

هناك اسثتناءً واحداً قد قام به المصريون مع جورج وسوف، حيث تخطّي الأمر «رشّ المُلمّع»، فقد وضع المصريين دستوراً خاصاً وأعرافًا تسلل من بينها «ابو وديع» حتي تغلغل من خلالها للطبقة التي «لم يغنِ لها أحد»، حيث يعاني عموم الشعب في مصر بأن الغناء إما يحمل ترفاً لا يمتلكه أغلب المصريين، أو يحمل«شحتفة» ما لا تبتلعها أُذن «الطبقة العادية» عموماً وتصفها بـ «الأفورة».

نجح جورج وسوف في الاستحواذ علي مزاج الطبقة العادية في مصر والتي كانت قبل جورج تتجه كثيراً للأغاني الشعبية لإحساسهم بأنها الأكثر صدقاً في التعبير عن حالتهم.

لم يتوقف الأمر عند ذلك، فقد كانت هذه الطبقة هي المؤسس للجموع التي وضعت الدستور الضمني.. حيث يتواجد جورج وسوف.

«١»

قانون الميكروباص المصري

تشعر أحياناً أن «الميكروباص المصري» هو الساحة المحجوزة باسم جورج وسوف، مكاناً دائماً لإقامة حفلاته.

ما أن يبدأ السوّاق بالانطلاق حتي تبدأ أغنية (صابر وراضي)، يقول جورج: ” صابر وراضي عَ اللي ناسيني وروحي فيه، صابر وراضي مهما حنيني يهون عليه..”، أما وان بدأ جورج في رفع إيقاع الغنوة في الكوبليهات المتتالية حتي ينجلي مزاج السائق ويبدأ بتغيير سرعة السيارة علي حسب إيقاع صوت جورج، و«انت وحظّك»، إذا رفع جورج الإيقاع للآخر، فمن الممكن أن تفقد حياتك.

«٢»

سن البلوغ

ما أن يبدأ شنب المراهق في مصر يخْضَرّ ويخط تحت أنفه حتي أنه يري أن من علامات البلوغ أن يمسع جورج وسوف مُغذياً هرمونات الرجولة التي تود أن تنتفض علي «حشرجة صوت جورج» ، مستمتعاً بـ “الممنوع” الذي يوصم من يسمعه بأنه «بيئة».

ليس غريباً بعد أن كانت بداية جورج نفسه في هذا السن تقريباً، حيث بدأ الغناء عند سن العاشرة، وسافر للبنان قبل أن يتم السادسة عشر تقريباً نظراً؛ لأنه اصبح مطلوباً من الفنادق الفخمة لإقامة الحفلات الراقية، وبذلك أصبح المراهق بجورج كإحساس أول سيجارة وأول قبلة مسروقة خلف شجرة من أشجار بحديقة الأزهر.

«٣»

قعدة “الرجال” في الأرياف

هل جلست يوماً في حلقة يجتمع بها شباباً ريفياً بعد العشاء؟

تتغير الجلسات من المصطبة لـ«ساحة الجُرن»، للترعة ، ولكن لا يختلف القانون الأوحد، لا يبدأ الكلام إلا بعد أن يفتح أحدهم تليفونه أو التسجيل(قديماً) ويبدأ بتشغيل أغنية (يا صياد الطيور) لجورج وسوف.

يري الجالسون والذي غالباً ما ينسجموا مع الأغنية تماماً حتي تصبح جزءً من الحوار، حيث يشتكي أحدهم لصديقه من حال الدنيا ويدندن مع جورج : “وآديني سنين، علي ده الحال، بقَاسي المر، والبطّال”.

صوت جورج عموماً به بحة تصل لابن القرية بعيداً عن الغطرسة التي يتمتع بها – في الغناء – ابن المدينة، ولما لا وهو إبن لقرية كفرون بشور السورية.

«٤»

طبق المَزّة

الشيء لزوم الشيء.. وبما أن السَمك يحب الجرجير والمشوي يحب الطحينة، فلا توجد قعدة (دلع) بدون «طَبق المَزّة»

قبل توغّل جورج في الطبقة المصرية العكرة المزاج، كان طبق المزة الموجود دائماً جانب قنينة البيرة يتكون من حمص وفستق وليمون وأحياناً كاچو، لكن بعد اقتحام جورج للمزاج المصري العكر أضيف صوت جورج إلى طبق المزة، فلا يوجد تجمع (شُرب) إلا وصوت جورج في الخلفية، أخبرني عجوز اعتاد جلسات الشرب ذات مرة أن صوت جورج أصدق ما تسمع اثناء الشُرب حيث أن جورج صاحب مزاج “فيوصل أسرع لأصحاب المزاج”.

كون جورج كـ (صاحب مزاج) أضاف إليه طبقة لجمهورة كما أفقده نسبة كبيرة من (الطيبين)، بحيث اذا حاولت تشغيل أغنية لجورج في تجمع عائلي تجد أحد الكبار يقول «اقلب الراجل الحشاش ده، وشغلّنا كاظم».

يُرجع الكثير من الناس التغير الجزري الذي حدث في صوت جورج منذ أيام اغنية(ترغللي) إلي التسعينات تقريباً إلي إدمانه(المزاج).

ويعد أفضل ما يعشقة المصريين في كوبليهات جورج، لحظة تجلي مزاجه فيها وقال: ” ياللي انت مالكش قلب، مالكش قلب، علشان تعرف تحب(هيييييهيه) مالكش قلب..

أكد هذا ما حدث في ليلة السبت 2 نوفمبر عام 2008، حيث تم إلقاء القبض علي جورج في ستوكهولم بالسويد قبل حفله كان من المفروض إقامتها بتهمة حيازة 30 جراماً من الكوكايين .

قُبض علية في ستوكهولم، لكنه أصبح بطلاً لجلسات المزاج في الباطنية.

«٥»

ميديا الغلابة

قبل ظهور الفيس بوك والواتساب وبوستات الـ«هااااح» وأيموشن القلب الأحمر، اخذ المصريين علي عاتقهم (تصييت) جورج وسوف بشتي الطرق، تجد جورج ملصقاً علي سيارات النقل المهلكة، كما تجدة ببوستر علي حائط في غرفة أي مراهق مصري

حرص الجميع تزامناً مع ظهور تركيب الصور في الإستيديوهات علي صناعة صورة تجمعه بجورج فيها جورج يسلّم عليه، كما وضعوا صورته علي كروت المعايدة وكروت أعياد الميلاد كما ظل جورج حتي الآن بصورت وكلمات أغانية يزين التكاتك والغريب في الأمر ان صورة تستخدم كتصميم للمقعد داخل التوكتوك، حتي أنك تتأذي بداخلك لأنك تجلس علي أنف جورج وسوف.

«٦»

 ارتباك في العلاقات الاجتماعية

في لحظة ما من حياتك، لا يليق بهذة اللحظة سماع الأغاني تجد صوت جورج وسوف هو الوحيد الذي من الممكن ان (يطبطب) عليك..

فصوت جورج خالي تقريباً من (المحن) الذي يزعج كثيراً المتجاوزين الثلاثون من عمرهم (وهو السن الذي تبدأ فيه الإرتباكات تقريباً) ، تجد صوت جورج وكأنه رجل يتحدث لرجل مثله ويشد علي يدة وقت الأزمة

حيث يمكنك أم تسمع (ارضي بالنصيب) بعد فسخ خطوبتك لا قدر الله، ويمكنك ان تسمع (كلنا مجاريح) بعد خسارة جزء كبير من ثروتك في مشروع فاشل، وعليك بسماع أغنية (سلف ودين) بعد أن يتم تطليق طليقتك الظالمة من زوجها الجديد، جورج هو الصديق الذي يمكنه أن يدخل غرفتك الذي لا يستطيع والدك دخولها بسبب عصبيتك، ويقنعك بأن “ننزل ناكل من عند بحه”.

«٧»

فيروس أبو وديع

بعد بزوغ نجم أبو وديع (كما يحب أن يلقب جورج) في الوطن العربي، وأصبح سطو صوتة يمنع ظهور صوت آخر علي الساحة، لاحظ المصريين تسلل أغنية غريبة داخل شريط جورج وسوف، هو صوت يشبة جورج كثيراً ولكن كما كان يقول المصريين «مش مرتاح وانا بسمعها، فيه شئ غريب»

في الحقيقة هو ليس شيئًا واحدًا بل هما شيئان

الأول:

أنه فعلاً ليس جورج الذي يغني، كان وديع مراد وجورج الراسي ووائل جسار (في بداياته) يحاولون تقليد جورج وسوف أو بالأحري: العالم العربي كله تسلل بداخلة صوت جورج وسوف

يقول جورج وسوف«في صغري نمت علي الأرصفة من أجل فني» وهذا الصوت الغريب ليس بصوتاً نام علي الأرصفة وهذا ما جعل المصري الذي يسمع «مش مرتاح».

الثاني:

اللحن، وهو ما يميز أغاني جورج حيث كانت ألحان الفنان جورج يزبك – وهو من اكتشف جورج وراعاه وكان أبوه الروحي- تزين صوت جورج، وهو واحدا من كثير من العمالقة الذين قاموا بتلحين أغاني جورج مثلاً كـ شاكر الموجي ونور الملاح وصلاح الشرنوبي

وهذا اللحن ما كان يفتقدة الاغاني الممسوخة من صوت جورج..

ولكن قاموا المصريون بعذاء نفسهم في تلك الخدعة واعتبروا أن كل هذة الأغاني هي لجورج، بمنطق( هو كده)

«٨»

هل هي النهاية؟

في آواخر عام 2011 حيث كانت أحوال البلاد أكثر ما يشغل المصريين لم ينسوا أن يتابعوا أخبار (صديقهم) جورج وسوف حيث أصيب بجلطة في المخ جعلت الكثير من محبيه «يمسكون قلبهم».

ولكن ستر الله كان حليفاً لجورج حيث تماثل للشفاء بعد ثلاث سنين من العلاج في الدول الاوروبية وبعض الدول العربية ولكن جورج كان وقتها توقف تماماً عن الغناء.

توقف جورج عن الغناء كان أفضل أرضية وسوقاً لرواج المهرجانات، حيث كان جورج مرسالاً من الطبقة العالية في المزيكا للطبقة البسيطة من السَمّيعة، حيث أن جورج كان معامل الأمان الذي يحول بين الإنحطاط الموسيقي وابتعاد البسطاء عن سماع الموسيقي أصلاً.

ولكن عودة جورج باتت حتمية بعد تعافية صحياً وظهورة مع نيشان في حلقة كان جميع المصريين يتابعونها تقريباً.

كثيرة هي بنود الدستور الذي تعامل به المصريين دائماً مع صديقهم العنيف، الذي يجمع صوتة بين الحنية حيناً والقسوة حيناً آخر واللامبالة وعدم الاكتراث أوقاتاً أخري، حتي انه يشبه اخيك الكبير الذي يحاول (ضرب الدنيا صرمة)! ولكن حنيته تغلبه في آخر الأمر.

اختلف المصريون مع جورج كثيراً وأيدوه كثيراً، واعتبروه ابنهم الشقي الذين يحاولون دائماً تقويم سلوكه لأن (قلبه طيب)، واختصر المصريون علاقتهم بجورج وسوف حينما اعتادوا الرقص علي أغنية ( طبيب جراح)! برغم ان الأغنية تدعو للندب واللطيم.




 تعليقاتكم

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

CONTENT MAK Company
الهمة
 كبريتة | حنولعها  محطتك إلى المشاهدة الرايقة .. مستقبل التلفزيون