رئيس مجلس الإدارة : رشا الشامي

رئيس التحرير : أسامة الشاذلي

داري يا قلبي .. حكايات لم يقلها حمزة نمرة في القطار

داري يا قلبي .. حكايات لم يقلها حمزة نمرة في القطار

محمد فهمي

القصة التالية ربما حصلت قبل كدة أو هتحصل.. ماتشغلش بالك!

كنت جالساً بإحدى عربات القطار المتجه للمطار، للسفر باتجاه السعودية، اللحظة التي كنت أنتظرها منذ 56 عاماً ولكن مش مهم، هناك مثل انجليزي يقول “أن تأتي متأخرًا خير من ألا تأتي”، توقف القطار في إحدى المحطات، فنزلت لشراء علبة ماللبورو أزرق، أقف لبرهة “لا أعلم ما الذي أفعله!” أنا ذاهب لعمرة لماذا أشتري سجاير!، أبرر لنفسي “مش مهم مش هبقي اشرب في الحرم”.

رأيت الجميع يحمل حقائب كبيرة، يبدو من هيئتهم أن سبب السفر هو السعي وراء لقمة العيش.

في أثناء تدخيني لسيجارة لا أعرف كم عددها، رأيت رجلاً يبدو في أواخر سن الشباب، يجلس بالقرب مني فقررت أن أعزم عليه عزومة مراكبية ولكنه بالفعل أخذ السيجارة والغريبة أنه شدها من يدي قائلًا: “هاتها.. أهي تدفي في السقعة دي”، فسألته عن اسمه قال: فاروق الدميري أو قولي يا أبو هالة، كان شاردًا في الفراغ، سألته: علي فين كده؟ قال وقد سقطت السيجارة من يده: علي السعودية، فقولتله قرعة ولا سياحي؟ قال : لأ كفيل!

بعد بضعة ثواني من الصمت وعين حائرة بين اليمين واليسار قولت له محاولًا أن أبتسم: ربنا يوسع رزقك، كلنا مسافرين السعودية، قال بصوت متهدج: أنت مسافر وعارف راجع إمتى، أنا لا!

ركبنا القطار مرة أخرى ووقف شاب علي باب القطار ضاربًا وجهه بالهواء وفتح موبايله علي أغنية لتسلية وقته، بدأت الغنوة بصوت تراطم أمواج البحر في صخور فطفت إحساس ببداية أوبريت مهم في حفله قيمة من حفلات الأوبرا ربما يحضرها رئيس الوزاء وحرمه، فسكت مَن كان يثرر، تمهيداً للاستماع.

اضغط على هذه العلامة 🎧 لمشاركة رحلة ركاب القطار والاستماع لنفس الأغنية.

بدأت الأغنية بصوت شخص لا أعرف اسمه، لكني ظننته صديق ابني.. ابني الذي سافر صغيرًا للسعودية بحجة العمرة ولم يعد، بدأ هذا الشخص بالغناء قائلاً:

مالك مش باين ليه، قلبك تايه من مده كبيرة.. خايف تتكلم ليه في عيونك حيرة وحكاوي كتيرة

نظر الجميع لبعضهم وكأنه كشف سراً أخفوه عن بعضهم، قال أحدهم: “اطفي يابني البتاع ده” ولكن أشار غيره بالسكوت فسكت منهارًا لسماع الباقي، ولكني شعرت أن الجملة لطمة علي وجه الموجودين، خصوصاً من يبدو عليه تجاوز الثلاثين، فأخرج أحدهم علبة سجاير أخري تمهيداً لتدخين واحدة غير التي يشربها! .. وأكمل صوت موبايل الشاب:

متغير ياما عن زمان.. قافل علي قلبك البيبان.. حبيت وفارقت كام مكان عايش جواك؟ 
إحساسك كل يوم يقل.. وتخطي وخطوتك تذل .. من كتر ما احبطوك تمل فين تلقي دواك؟

كاد أن ينطق واحدًا ليجيب عن السؤال الأهم.. فين تلقى دواك؟ .. ولكنه فجأة.. يبدو أنه لم يعرف المكان بعد، وكأن العربة كانت ناقصة.

جاء صوت موبايل الشاب قائلاً: ” بتودع حلم كل يوم ..تستفرد بيك الهموم.. وكله كوم والغربه كوم ،والجرح كبير… ” فسقطت آخر قطرة من عرق رجل تفاعل مع الأغنية ، رجلًا كان يجلس بجانبي، رجل يبدو أنه مسافر تاركاً ورائه أولاده ، لأنه قد أخرج صوراً من محفظته لاحظت من احدي الصور وهو يقف وسط ثلاثه من الأطفال مبتسماً ابتسامة عريضة حتي ان شفاه وصلت من اذنه اليمني الى اليسري. ولكن الصوت القادم من الموبايل يبدو أنه جاء ليطعن قلب الموجودين بسكيه تلمه.. لم يتوانى الرجل في ارجاع صورة أولاده للمحفظة حتي سمعنا:

كل اللي معاك في الصورة غاب.. وطنك والأهل والصحاب.. كام واحد ودٌع وساب .. من غير أسباب

يبدو أن كم الصراحة الجارحه التي فاحت من الصوت لم تتحملها نفس الرجل الذي قال منذ دقائق :”يا عم اطفي البتاع ده”، فنهض من مكانه متعصبًا وخطف الموبايل من يد الشاب وألقى به خارج القطار، فنشبت مشاجرة كبيرة لم تنته قبل نصف ساعة، حتي وعده بأنه سيرسل له هاتف آخر من السعودية، العرض الذي هدأ من روع الشاب بعد أن فقد موبايله من دون أي سبب؟

بعد أن ساد الهدوء أخرج آخر موبايله وفتح نفس الأغنية، بدا علي الجميع الارتياح قليلًا وكأنهم كانوا ينتظرون ما ينته إليه الصوت الذي قام بتعريتهم أمام نفسهم، كانت هناك جملة يقولها هذا الصوت وكأنه يصالح الجميع، وكأنه يقول “أنتم مش لوحدكم، أنا معاكم”، وهذه طبيعة النفس البشرية، ترتاح لأن يكونوا بين مجموعة تشبههم:

وداري يا قلبي مهما تداري قصاد الناس حزننا مكشوف
وأهو عادي عادي ماحدش في الدنيا دي بيتعلق بشيء إلا وفراقه يشوف

هذا الونس الذي خرج من كلمة “حزننا” وتأكيدًا علي إنه ” عادي عادي ” وكأنه يربت علي كتفك يوم ماتت القطة التي ربيتها من 10 سنين وهدأ من التوتر الذي كان ينشع من جدار عربة القطار.. وكررها هذا الصوت ثانية وثانية “.

وداري يا قلبي مهما تداري قصاد الناس حزننا مكشوف، وأهو عادي عادي ماحدش في الدنيا دي بيتعلق بشيء إلا وفراقه يشوف 

توقف القطار في المحطة التي سنركب من بعدها السيارات للمطار ، وبعد وصولنا ذهب كل مننا الى طريقة.

بعد أسبوعين:

عائداً الي أراضي الوطن بعد أداء العمره، والحمد لله عقدت النية علي ألا أشرب سجائر نهائيًا. جلست في أماكن الانتظار حتي تأتي السيارة التي كنت علي اتفاق مع سائقها قبلها بيومين”، قولت أتصفح مواقع التواصل الاجتماعي التي انقطعت عن فتحها طول فترة العمرة لأنها تفقد الناس فطرتها.

لاحظت فيديو منتشر لطفلة صغيرة تودع أباها في المطار قائلة ” قول للشغل بنتك الصغيرة زعلانة “، ولفت انتباهي تعليق أحد المشاهدين علي الفيديو كان : دي طفلة اسمها هاله فاروق محمد الدميري من عندنا في المنطقة، تسمرت أمام هذا الاسم! وشردت في الفراغ.. حتي ان قطع هذا الشرود رنة تليفون من السائق الذي ينتظرني بالخارج.

ركبنا ومازال منظر وجه فاروق محمد الدميري لا يفارق خيالي، هذا الذي سافر رغم عن أنفة، حاول السائق أن يسلي الركاب في الطريق ففتح راديو العربية وكان صوت مذيعة الراديو  “معادنا مع أغنية داري يا قلبي، غناء وتلحين حمزة نمرة وكلمات محمود فاروق، الأغنية التي حققت أكثر من 5 ملايين مشاهدة بعد 4 أيام من طرحها”.

بدأ صوت حمزة يقول ” مالك مش باين ليه؟” حتي راق المزاج، وأشعلت سيجارة ماللبورو أزرق كنت قد خبئتها في شنطة الظهر، وفضلت أدندن معه، وداري يا قلبي مهما تداري قصاد الناس حزننا مكشوف، وأهو عادي عادي ماحدش في الدنيا دي بيتعلق بشيء إلا وفراقه يشوف”.

قال لي السائق: علي فين يا باشا؟  قولتله : ” مش مهم فين، المهم نروح مكان عارفين هنرجع منه إمتى”.


 تعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

CONTENT MAK Company
الهمة