رئيس مجلس الإدارة : رشا الشامي

رئيس التحرير : أسامة الشاذلي

حكاية “أم عمرو” خادمة عتبة مسجد الإمام الحسين طيلة 40 عاماً حتى ماتت

الإمام الحسين

ملابسها رثة ونظارتها الطبية أكبر من عينيها الخضراوين التي تنظر إلى مدخل مسجد الإمام الحسين، ونشاط جسدها لا يتلاءم مع تجاعيد الزمن التي احتلت وجهها، وتمسك بمكنسة تتساوى مع قامتها، تكنس مدخل جامع الحسين وتمسحه وتظل على هذا الحال من الساعة الثانية عشرة بعد منتصف الليل حتى قرب أذان الفجر.

ناهز عمرها 71 عاماً وهي تخدم مسجد الحسين حتى ماتت سنة 2015 م، وكانت في نشاطٍ لا تفعله فتاة في سن السابعة عشرة، ليس هذا هو التناقض، بل التناقض حين ترى شكل مظهرها غير متطابقٍ مع حقيقتها.

للوهلة الأولى تنظر إليها فتعتقد أنها سيدة تعمل لصالح وزارة الأوقاف، حيث تنظف مدخل المسجد مقابل مبلغ مالي، أو ربما كسبت تعاطف إدارة المسجد فجعلوا لها هذه المهنة مقابل 100 جنيه من صندوق النذور، وربما أنت ستشفق عليها وتعطيها حسنة.

لكن حقيقة أم عمرو أنها امرأة من الطبقة فوق المتوسطة، تسكن في عقارٍ مملوك لها بميدان الأوبرا، وتمتلك سيارة فيات زرقاء، وتجيد التحدث بـ 3 لغات أجنبية هي “الفرنسية والإيطالية والإنجليزية”، فضلاً عن إجادتها لحفظ بردة البوصيري كاملةً.

الدراما الغريبة في حياة أم عمرو تتكشف لمن عاصرها ـ وكنت أنا من الذين التقوها طوال 3 سنوات ـ، فلقد كانت تحب وصف “خادمة عتبة مسجد الحسين”، وكانت تقوم بالخدمة أكثر من 40 سنة ، لم تحدد تاريخ البداية لكني عرفت من كلامها أنها بدأت في سبعينيات القرن الماضي، لأنها ذكرت أسماء مشايخ اشتهروا وماتوا في السبعينيات مثل الشيخ محمد الحافظ التيجاني “شيخ الطريقة التيجانية”، والشيخ عبدالحليم محمود “شيخ الأزهر”.

ما الذي يجعل امرأة مثل أم عمرو تقوم بهذا التصرف الذي كما قالت عنه “عمري ما اتأخرت ولا غبت عن خدمة العتبة إلا في الموالد والمناسبات العائلية والأحوال اللي تمنع الستات من الصلاة ـ تقصد الحيض ـ، وبعملها عشان بحب سيدنا الحسين.. ومش عايزة فلوس ولا هسمح لحد يديني فلوس ولا عايزة أتصور ولا أظهر”.
ربما الحب يكون سبباً كافياً، لكن وقود الحب اشتعل من موقف ورؤيا جعلاها تقضي سنين شبابها حتى الشيخوخة في خدمة عتبة الحسين.

حكت لي أم عمرو هذه الحكاية، ويعرفها كبار السن أو موظفو النظافة في مسجد الإمام الحسين، فالذي حدث أنها في أوائل السبعينيات كانت تحضر دروس الشيخ صالح الجعفري في الأزهر، ثم تتحرك إلى زيارة مسجد الإمام الحسين ووجدت الرجال يصعدون على السلالم الخشبية في غرفة مقام الإمام الحسين، وينظفون ضريحه بعد أن يشمرون عن سواعدهم.

حدثت أم عمرو ربنا فقالت “يعني يارب .. مش هينفع أخدم ضريح سيدنا وأطلع وأنزل زي الرجالة عشان سبحانك خلقتني ست”، وانصرفت حزينة إلى منزلها في ميدان الأوبرا.

جاءت الرؤيا فجراً لـ”أم عمرو”، حيث كانت واقفة لوحدها بمسجد الحسين تنظر بحسرة إلى المقام، وجاءها هاتف قال لها ” إذا كانوا هم خدموا القلب .. فاخدمي أنت بابه”، استيقظت من نومها عبر هذه الرؤيا واستراحت .. فلا سبيل لدخول مسجد الحسين إلا من بابه، وبالتالي يجب أن يكون الباب نظيفاً، فنذرت نفسها لخدمة العتبة.

سألتها ذات مرة وأنا أتحسس هاتفي لألتقط لها صورة “كيف لكِ أن لا تظهري على الإعلام أو حتى السوشيال ميديا، فقالت إن حب الظهور يقسم الظهور .. واعترضت على واحد صورني سيلفي وخليته يمسح صورتي”، ولما سألتها عن العلة في ذلك أجابت “هستفيد إيه لما هتعرف .. لا هي دنيا عايزة منها حاجة .. ولا هخسر آخرتي لما أتمخطر بالفشخرة وأقول قصتي”.

لم تسمح أم عمرو لأي صحفي أو من شكت في أمره أنه من نشطاء مواقع التواصل الإجتماعي أن يتكلم معها، ربما أخذت مني الحرص حين قلت أني صحفي، لكني أقسمت لها أن لا أذكر سيرة عنها إلا بموافقتها، فأعطتني الإذن بشرط أن لا يُكْتَب عنها شيء إلا حين تموت”.

غبت فترة عن مسجد الإمام الحسين وذهبت فجر الجمعة 1 مايو سنة 2015 م، لم أجد سيارتها التي كانت تركنها أمام مسجد الإمام الحسين ـ في استثناء أمني لأنه يُمْنَع الدخول بالسيارات لقلب الميدان عدا هي ـ .
أيقنت في لحظة شيطانية أن أم عمرو قد ماتت، لكني تمنيت أن تكون في مناسبة عائلية أعاقتها عن المجيء، صليت الفجر وبحثت عن نجلها فوجدته على باب المقام في نحف شديد، فسلمت عليه وسألته عنها فقال “ماتت يوم الأربعاء اللي فات في طريقها لعتبة مولانا ولي النعم” صُدِمت لثوانٍ وأفقت على دموعه التي شاركته فيها، ثم عزيته واحتضنته.. لكن لم يكن حضن مواساة بل وداع .. أحسبه قد مات لأنه من بعد هذا اللقاء لم يظهر إلى اليوم.




 تعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

CONTENT MAK Company
الهمة
 كبريتة | حنولعها  محطتك إلى المشاهدة الرايقة .. مستقبل التلفزيون