رئيس مجلس الإدارة : رشا الشامي

رئيس التحرير : أسامة الشاذلي

بين الفتاة التي طلت بالأسود والرجل المُعلب لتشيخوف!

بين الفتاة التي طلت بالأسود والرجل المُعلب لتشيخوف!

إسراء سيف

نشرت فتاة منتقبة صورها  مع خطيبها المُلتحي  احتفالا بخطبتها وكتبت على الصور جملة “طليت بالأسود” فيما ارتدت فستانًا أسودًا ونقابًا بنفس اللون وتركت الصور مفتوحة لعامة الناس  فأثارت الصور تعليقاتهم بين مؤيد للفكرة ومعارض لها بشراسة.

الانتقاد جاء بسبب لون الفستان الذي ظن البعض أنه فستانًا للزفاف فيما صرحت العروس “آية شعبان” لموقع المصري اليوم أنها فعلت هذا من باب أنها لا تحب الأفعال التقليدية وستكسر المتعارف عليه بزفافها وسترتدي فستانًا بلون مختلف عن الأبيض.

طلت آية بالأسود لأنها تحب هذا اللون وتراه أنيقًا ولا يدل بالضرورة على الحزن والاكتئاب كما تقول، أو فعلت هذا من أجل جذب الأنظار إليها والشهرة كما رأى البعض الآخر فقد حدث ما حدث وأثار الجدل لأيام وسينساه الناس حتى تتكرر هذه الحادثة من جديد أو إلى حين تطل علينا آية بلون مختلف في زفافها.

بين الفتاة التي طلت بالأسود والرجل المُعلب لتشيخوف!

ولكن دعونا نحلل كم هذا الانتقاد الواسع الذي حدث والجدل المُثار وسببه هل كان يستحق كل هذه النقاشات التي حدثت بمواقع السوشيال ميديا والتي أثارها الناس وبعض الكُتاب؟

في البداية أريد أن تتحملني إيها القارىء لأحكي لك قصة “الرجل المُعلب” لأنطون تشيخوف “بيليكوف” هذا الرجل الذي  يضع قوانينًا يفرضها على الجميع ولا يلتقط من الأخبار سوى الذي يمنع أفعال بعينها، كإلغاء إجازة أو منع التلاميذ من الخروج بعد الساعة التاسعة.

أصبح “بيليكوف” يغضب عندما يرى أحدهم يفعل ذنبًا ما ويشعر بهم كبير، وعاش حياته ينتقد أفعال الناس ويتدخل فيما لا يعنيه ويحضر اجتماعات المدارس لينتقد سلوكيات التلاميذ حتى نجح في التأثير على منطقته بالكامل، فالكل تغيرت تصرفاته؛ النساء توقفوا عن الاحتفال ليلة السبت خوفًا منه وحتى رجال الدين خافوا من قضاء وقت للمرح في وجوده وتطورت الأمور أن الكل توقف عن التحدث بصوت عال والتعارف والكتابة و القراءة وحتى مساعدة الفقراء في التعلم تجنبًا من انتقاده المزعج!

وكي لا أطيل عليك تفاصيل سلوكياته فسأخذك لنهاية حياته، فعندما مات سعد الجميع بالخبر وإن احترموا هيبة الموت وحاولوا إخفاء هذا الشعور ولكن أكد الكل أن مثله الأعلى ومكانه منذ زمن هو هذا التابوت وهذه العلبة التي تُناسبه وتناسب أفكاره التي غيرت من حياة الجميع للأسوأ، ويقول راوي القصة أن دفن أمثال “بيلكلوف” يعد مُتعة كبيرة! وربما الآن تفهم لماذا سمى تشيخوف القصة “الرجل المُعلب”

خوف الناس من أمثال هذا الرجل بل رعبهم أن تسيطر مجموعة ما على أفكار هذا المجتمع كما فعل بيليكوف بمجتمعه الصغير هو ما جعل التعليقات تكون معظمها ضد تصرف آية، ربما لو ارتدت أي فتاة أُخرى فستانًا أسودًا بخبطتها أو فرحها لما لاقت هذا الانتقاد اللاذع.

ولكن كونها مُنتقبة وربما ترتدي الأسود بحياتها العادية كمنتقبات كثيرات وخطيبها المُلتحي الذي أخفى عينيها بكف يده بإحدى الصور جعل الجميع ينظر للصور كقالب كامل لمجتمع مُختلف داخل مُجتمعنا يحاول تغييرنا بأفكاره طوال السنوات الماضية.

بين الفتاة التي طلت بالأسود والرجل المُعلب لتشيخوف!

فكثير من المنتقبات روجوا بفترة دراستي بالجامعة حول أهمية ارتداء فساتين بلون مختلف عن الأبيض يوم الزفاف ليس لكسر الأعراف والتغير-حسب قول آية- ولكن لأن ارتداء الأبيض تشبه بالكافرات ..تمامًا مثل الفستان ذو الذيل الطويل!

عندما تسمع أقاويل كهذه وتطصدم بارتداء فتاة مثل آية للأسود لن يأتي بذهنك أبدًا المعنى الذي وضحته فيما بعد أو النية الحسنة وراء أفعالها-وإن كانت صادقة فيما تقول- فقط ستتذكر الرجل المُعلب الذي أراد السيطرة على أفعال الناس ونشر فكره الخاص بأي وسيلة حتدى حل السواد على منطقته وخاف الناس فقط  من التحدث بصوت عال والتصرف على سجيتهم.

الانتقادات الواسعة التي طالت آية وخطيبها لم تكن حول ارتدائها الأسود ولكن كانت خوفًا من أن تكون هعذه الأفعال بداية جديدة للترويج لأفكار ستزيد حياتنا عذابًا وهذا ما رفضه الناس وأسقطوه بغضبهم من تصرف آية وإن كان مبالغًا فيه من البعض لأنها بالنهاية  حرة بأفعالها.

المجتمع يرفض الأفكار الغريبة بنوعيها خاصة  إن خاف الناس من فكرة ظنوا أن ورائها بذرة للتشدد أو على صعيد آخر فكرة غربية بحتة لا تشبهنا، وما تغير فينا هو سعي كل واحد منا للاختيار والبحث عن نفسه بالشكل الذي يريده لا بالشكل الذي يحاول نشره دائمًا أخرون يرون أن الحياة يجب أن نعيشها بطريقتهم وبشكلٍ واحد يشبههم وحدهم.


 تعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

CONTENT MAK Company
الهمة