رئيس مجلس الإدارة : رشا الشامي

رئيس التحرير : أسامة الشاذلي

المثال محمود مختار .. “أزميل” ابن العمدة الذي نحت ملامح مصر

المثال محمود مختار .. "أزميل" ابن العمدة الذي نحت ملامح مصر

محمد الموجي

الصورة النمطية التي رسخها عدد كبير من الأعمال الفنية عن ابن العمدة في مصر، أنه شخص مهمل مستهتر “مدلع” بفعل الثراء وسلطة والده، مثل حميدة الذي عرفناه في أغنية “يا حضرة العمدة” الذي يغازل البنات ويقذفهن باليوستفندي، لكن محمود ابن الشيخ إبراهيم العيسوي، عمدة قرية طنبارة بالمحلة الكبرى، الذي وُلد في مايو ‏1891‏، أثبت أن هذه الصورة غير صحيحة دائمًا، بما قدمه لنا “أزميله” على مدار 42 عامًا عاشها الفنان المصري محمود مختار أحد رواد فن النحت بمصر.

في المنصورة انتقل محمود ليعيش بضعة أعوام من طفولته وأمامه البحر والترعة والزرع والطين، ترصد عين الصغير كل ما يمر أمامه؛ هذا زي شيخ البلد، وهؤلاء هم الفلاحين وهذه هي المواشي والخيول اللائي يمتلكونها، يرصد بشغف كيف يختلف هذا الوجه عن الآخر! ثم يذهب ويحضر الطينة ليبدأ لعبة لم يعرف أنه ستكون يومًا ما دراسة يتميز فيها وفن يعشقه ومهنة أجادها فلم تصبح عادة يومية، كان محمود يشكل من الطين وجوه وأجساد الأشخاص والخيول الذين يراهم في حياته اليومية، ويعود لجفف هذه الطينة في فرن أمه، كان يهرب من الكتاب من أجل هذه اللعبة.

المثال محمود مختار .. "أزميل" ابن العمدة الذي نحت ملامح مصر
المثال محمود مختار

انتقل ابن العمدة لاحقًا بأمه للعيش في القاهرة، تحديدًا في حي “الحنفي” بعابدين التي تمنت أن يلتحق بالأزهر لكنه أصر على مدرسة الفنون الجميلة التي أسسها يوسف كمال وكان واحدًا من بين طلابها بالفعل عام 1908، لكنه فُصل منها بسبب نشاطه السياسي ضد الإنجليز؛ ومن شابه جده فما ظلم؛ فمن بين القصص التي انتشرت عن جده لأمه أنه ثار ضد فرض الجيابة على الفلاحين فتم نفيه خارج البلاد؛ وثار مختار ضد الإنجليز وخلال إحدى المظاهرات اعتدى على ما كان يُعرف حينها بحكمدار القاهرة الإنجليزي بالضرب، فأُلقي القبض عليه، لكنه كان محظوظًا إذ أفرج عنه بعد 15 يومًا، وعاد للدراسة مرة أخرى.

كانت موهبته ملفتة لكل من حوله، فخُصص له مرسم خاص داخل المدرسة؛ غلب على أعماله حينها الطابع الريفي والتراثي، بل أن الأمير يوسف كمال تبنى موهبته وأرسله إلى باريس ليستكمل دراسته هناك،  عام 1911.

تمثال نهضة مصر

تمثال نهضة مصر

في فرنسا أبهر مختار معلميه أيضًا؛ فقالوا إنه سيكون فخرًا لمصر وقد كان، خاصةً بعد أن عرض نموذجًا لتمثاله الأشهر “نهضة مصر” الذي تظهر فيه الفلاحة المصرية المصرية ترفع عن وجهها الحجاب بإحدى كفيها والأخرى تتكأ على رأس تمثال أبى الهول، في صورة تجمع بين التراث والتاريخ والوطن الذي يتجسد في هذه الفلاحة المصرية حسنة الوجه.

ولتمثال نهضة مصر الذي صنعه مختار الجرانيت الوردي، بارتفاع 7 أمتار وعرض 8 أمتار، قصة كبيرة، فلم يكن خروجه للنور خلال بضعة سنوات بأمر سهل، إذ أسهم الشعب المصري في اكتتاب عام مساهمًا في تشيده وأكملت الحكومة باقي النفقات، ليرىالنور في ميدان باب الحديد (رمسيس)، بحضور الملك فؤاد الأول عام 1928، ثم يُنقل إلى ميدان جامعة القاهرة، ليُعرف بميدان النهضة.

المبهج في رحلة تشيد تمثال نهضة مصر، أن رجال الأزهر ودعاة الدين كانوا ينادون من فوق منابرهم وعقب صلاة الجمعة للتبرع من أجل هذا بناء التمثل، مشيدًا بعبقرية الفنان المصري، وجمعت اللجنة 6500 جنيه، حسبما ذكر المؤرخان عبدالرحمن الرافعي في كتابه ثورة 19، وصبحي الشاروني في مقال عصر مختار بمجلة الدوحة عدد 1 يوليو 1987 م.

ونلاحظ أن تأثر أزميل محمود مختار بالبيئة التي نشأ فيها، لم يقتصر على تمثاله الأشهر “نهضة مصر”، وأن للمرأة كانت مكانة كبيرة في فنه، فكان يجلها ويحترم الدور اذي تقوم به؛ فهي الأم والوطن؛ في تمثال “الفلاحة” الذي صنعه من الرخام بارتفاع 74 سم نجد فلاحة مصرية تقف رافعة يديها في شموخٍ وعظمة وترتدي جلبابها الجميل الفياض، وتمثال آخر من البرونز اسمه “حاملة الجرة” بارتفاع 84 سم سنجد فيه امرأة تحمل الجرة أعلى رأسها، تقف منتصبة القامة شامخة معتزة بنفسها.

أعمال محمود مختار

وتمثال كاتمة الأسرار التي تعرف عن أسرتها وأبنائها الكثير، وبائعة الجبن، والعودة من السوق والواقفة على شاطئ الترعة، والعودة من النهر، و”رياح الخماسين” لمرأة تواجه هذه الرياح القوية التي تهب على مصر بنفسها، كلها تماثيل تؤكد على إعجاب مختار وتقديره لدور المرأة في مجتمعنا المصري، استطاع أن يجسدهن جميعًا بدقة أظهرت كافة التفاصيل التي خطفت عينيه وهو طفل صغير.

المثال محمود مختار .. "أزميل" ابن العمدة الذي نحت ملامح مصر
من أعمال محمود مختار

قدم لنا أزميل مختار أيضًا؛ تمثال حارس الحقول الذي يقف مرفوع الرأس واضعًا عصاه على كتفيه مراقبًا ما يدور من حوله، وابن البلد المصنوع من البرونز والذي ظهر فيه حس الفكاهة لدى مختار وكان من أول أعماله، وتمثال شيخ البلد الذي يبدو متغطرسًا بعض الشيء.

ومن أهم تماثيل مختار للشخصيات العامة، تمثالا الزعيم سعد زغلول قائد ثورة 1919، والتي انحاز لصفها، الأمر الذي أزعج عددًا من رجال الملك، بل أنهم نصحوه بالتراجع عن موقفه وتمثال أم كلثوم وفاز عنه بجائزة من معرض صالون باريس.

المثال محمود مختار .. "أزميل" ابن العمدة الذي نحت ملامح مصر
سعد زغلول

في27 مارس 1934 رحل مختار عن عالمنا وعمره يناهز الـ  42 عامًا، وخلال عام 1962 اُفتتح متحف يحمل اسم الفنان محمود مختار بحديقة الحرية بأرض الجزيرة في القاهرة، ويحتوي على 175 عملًا من أعمال مختار، وصور وجوائز حصل عليها.

مصادر:( 1 )، (2) 


 تعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

CONTENT MAK Company
الهمة