رئيس مجلس الإدارة : رشا الشامي

رئيس التحرير : أسامة الشاذلي

محمود درويش كما لم تعرفه .. ساخر خفيف الظل

محمود درويش

محمد الموجي

شخص عبوس يرتدي نظارة أحيانًا ويجيد التشدق باللألفاظ المقعرة والأسطر المسجوعة بصوت جهوري بعد كتاباتها بالطبع، يناقش قضايا العروبة والظلم والاحتلال والحب الأفلاطوني.. ربما كانت الصورة النمطية عن الشاعر والتي كسرها عدد كبير من شعراء الحداثة بينهم الشاعر الفلسطيني محمود درويش.

كُتب عن درويش كثيرًا، مرة عن الحب في شعره وحياته وأخرى عن مقاومته للاحتلال وثالثة عن علاقته بأمه، ورابعة عن علاقته بصديقه ناجي العلي، وأخيرًا قراءة في شعره بشكل عام، التصقت بكتابته نزعة الحنين والحزن، لكن لم يتطرق أحدهم لمحمود درويش العاشق خفيف الظل،الأمر الذي كان واضحًا في مواقف حياتية وانتقل لشعره وبخاصة عند إلقاء القصائد بصوته:

( 1 )

يعطر الهواء من أجلها، بأخلاق الأمير النبيل ينتظرها ماسكًا كأس الشراب المرصَّع باللازوردِ ويفكر في بضع كلمات تليق بأن تكون رسالة الترحيب بحبيبته، يمر الوقت وفي الانتظار يتسلل إليه دائمًا الشعور بالملل فيبدأ برصد الاحتمالات الكثيرة، لكنه يتذكر أيضًا أنهكتب ” ولا تتعجَّلْ، فإن أقبلَتْ بعد موعدها فانتظرها، وإن أقبلتْ قبل وعدها فانتظرها، فيقرر أن ينتظر، حتى تأتيه رسالتها “أعتذر لن آتي”.

يغضب، يسخر من تعطير الهواء لأجلها، يبدل كأس الشراب المرصَّع باللازوردِ بكوبه المفضل ربما أسماه “كوب الوحدة”، ويجلس في مكانها المفضل كي ينساها كاتبًا قصيدة “لم تأتِ”، ثم ينقل زهرة الأوركيد من جهة اليمين إلى جهة اليسار مؤمنًا أنه يعاقبها على غيابها، حتى يرى وجهه في المرأة وينفجر في الضحك ساخرًا من نفسه ” ما شاء الله وهل هذا عقاب من يغيب عنك؟”.

ذات مرة كان محمود درويش يلقي قصيدته “لم تأتِ” وعند وصوله للشطر الخاص بنقل زهرة الأوركيد من جهة إلى أخرى وكأن المحب هنا يعاقب حبيبته على غيابها سخر من بساطة هذا الحبيب وعقابه اللين قائلًا “ما شاء الله”، وانفجر الحضور ضحكًا بينما اكتفى هو بابتسامة كان لها أثرًا على صوته واستكمل القصيدة.

قال أكثر من صديق عن درويش إنه كان يجيد مواجهة أصعب الأمور وأكثرها قتامة بالضحك والمزاح والسخرية، وفي رسالة لصديقه الشاعر الراحل أيضًا سميح القاسم قال “هل أسخر؟ أسخر كثيرًا.. فالسخرية وهي البكاء المُبطن خير من دموع الاستعطاف، لأن الأجل قد امتد بنا الي ما دون أرذل العمر… اضحك، يا ولدي، اضحك، فليس في وسعنا أن ننساق في لغة الحزن أكثر مما انسقنا، فلنوقفها بالسخرية، لا لأن السخرية هي اليأس وقد تهذب كما يقولون، بل لأنها لا تثير الشفقة.”

( 2 )

في قصة لم أعرف لها مصدر موثق سُئل خفيف الظل عن لون عين حبيبته، فرد ضاحكًا وكأن عينيه تغازلها “‏لا أدري في كلّ مرّة أتأمّل ‏عينيها أفقد الذّاكرة”.

وخلال مقال لها بموقع القدس العربي، حكت الشاعر السورية رنا قباني التي تزوجته، حكاية أول لقاء جمعهما، قصة تزيد من رصيد درويش في بنك خفة الظل وحب الضحك؛ إذ تقول رنا، إنها خلال حضورها لأمسية شعرية كانت ترتدي فستانًا أسودًا، وبينما كانت تجلس بالقرب منه وهو يلقي قصيدة الأرض، أخذت عيناه تحدق في بياض ساقيها، وكأنه يتساءل “كيف هي ناصعة البياض لهذه الدرجة؟!”.. التناقض بين سواد الفستان وبياض جسدها خطف عينيه فلم يشعر بما يفعل حتى ارتفعت عيناه وجاءت وواجهت عينيها فظهر فيهما الفضول والاستغراب والإعجاب، وشعر بالخجل أيضًا فانفجر ضاحكًا للتخلص من ورطته، وواصل شعره.

“كان يجيد البصبصة المرحة والمحببة”.. رنا قباني، وفي نفس اليوم عرض محمود درويش عليها الزواج ووافقت.

محمود درويش ورنا قباني

( 3 )

لم يعد درويش من نيويورك إلى لبنان وحيدًا، بل عادت حبيبته رنا قباني ابنة الـ 18 عامًا معه، متشوقة للبيت الشاعري والحياة الشاعرية مع العاشق درويش، بمجرد أن وصلا إلى المبنى الذي سيسكنا فيه أخبرها درويش باسمًا بصدمة أولى، “منزلنا في الدور الثامن ولكهرباء مقطوعة منذ أكثر من سنة”.

تحمل رنا إحدى الحقائب الثقيلة لتساعد حبيبها على الصعود، وبينما كان درويش يلهث تعبًا في منتصف الطريق إلى سكنهما، وقف وأخبرها بأكثر الأمرو التي تجعمل منزلهما شاعريًا “المنزل لا يوجد به تدفئة والمياه أيضًا مقطوعة منذ فترة بعيدة”.

كانت لبنان مدمرة بسبب الحرب حينها، لكن رنا أحبت درويش وأصرت على العودة من أمريكا للعيش معه، هذا ما فعلته خفة ظل درويش بهذه الصغيرة.

( 4 )

في أمسية ناجحة لمحمود درويش كانت قد انتهى من إلقاء أخر قصائده، فإذ بشاب مغربي يصيح بصوت عالٍ “نريد أن نسمع قصيدة سجل أنا عربي”، يبتسم الشاعر ابتسامة تخفي بعض من عصبيته ويرد على الشاب مازحًا “سجل أنت .. أنا سجلت من قبل!”.

ولم يخجل “لاعب النرد” من استخدام الإيحاء الجنسي أيضًا، لصبغ شطرٍ من شطور شعره بخفة ظل تضحك جمهوره، ففي أمسية ما وبينما يلقي على جمهوره إحدى قصاقصيد “لاعب النرد”، كان يعلم أنه بمجرد النطق بهذه الكلمات: “كانت مصادفةً أَن أكونْ.. ذَكَراً.. ومصادفةً أَن أَرى قمراً.. شاحباً مثل ليمونة يَتحرَّشُ بالساهرات.. ولم أَجتهد كي أَجدْ شامةً في أَشدّ مواضع جسميَ سِرِّيةً!”، سيضحك بعض الحضور، وبالفعل هذا ماحدث وانتظر درويش ضحكاتهم كممثل بارع ينتظر تحية الجمهور، ثم يستكمل قصيدته.

وفي قصيدته الجميلات، يمدح درويش النساء ويصفهن بالجميلات ثم يداعبهن مازحًا “الجميلات هن القصيرات يُشربن في كأس ماء”.. فيصفق له الحضور تصقيفًا يبدو في التسجيل الصوتي “ناعمًا نسائيًا” فيرد بدوره على هذا التصفيق مازحًا مبتسمًا “يبدو أن القصيرات كثيرات هنا”.

لم يكن درويش خفيف الظل أو ساخرًا فيما يخص العشق فقط بل سخر أيضًا من بعض الأمور السياسية بخفة ظل، في قصيدة “خطب الديكتاتور الموزونة”، يسخر من الديكتاتور العنصري، يتحدث بلسانه عن كره الطغاة والحب والفساد والشعب الحر، وهو الذي ينتقي شعبه لجعله سياجًا وخاتمًا في مملكته الخاصة، ويريد جعلهم حرسًا لكلبه، والطبيب يصبح سايسًا والحكيم مستشارا لصك النقود.


 تعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

La Fiesta Events Egypt
CONTENT MAK Company