رئيس مجلس الإدارة : رشا الشامي

رئيس التحرير : أسامة الشاذلي

القضية 23 .. لا يحق لأحد أن يحتكر المعاناة

القضية 23

حينما عرض فيلم القضية 23 للمخرج اللبناني زياد دويري في مهرجان الجونة بدأت حمى تجتاح مواقع التواصل الاجتماعي تطالب بمقاطعة الفيلم بدعوى التطبيع مع إسرائيل، تصاعدت الموجة والخلاف بين مؤيد لمقاطعة الفيلم ومعارض، وحول أسئلة من لم يشاهد الفيلم، ما أوجه التطبيع في فيلم القضية رقم 23، لتكون الإجابات أولا لأنه يهاجم القضية الفلسطينية وثانيا أنه تم تصويره في الأراضي الفلسطينية المحتلة أو ما يطلق عليها إسرائيل.

وحقيقة القول إن الفيلم صورت أحداثه بالكامل في لبنان، ولم يصور مشهد واحد داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، ثانيا أن فيلما لم يخدم القضية الفلسطينية في رأيي مثلما خدمها المخرج زياد دويري في فيلم القضية 23، ليتضح بعد ذلك أن الهجوم ليس على الفيلم ولكن لأن المخرج صوّر في عام 2012 فيلم “الصدمة” داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة.

إذن كان هجوما بأثر رجعي، بينما الفيلم بريء كل البراءة من تلك التهمة، التي أصبحت تلطخ الفيلم، وبعيدا عن كلمة التطبيع ومعناها ومدلولها وأشكالها وهذا اللغط السياسي، دعونا نتحدث عن الفيلم كفيلم، فيلم سينمائي يحمل بداخله فكرة من أعمق الأفكار التي قد تراها يوما، وتمت مناقشتها ببساطة شديدة وانسيابية سينمائية بحق.

الحق أقول إنني كنت قد فقدت شغفي بسينما زياد الدويري ففيلم بيروت الغربية كان من أجمل الأفلام التي شاهدتها ولكن مستوى الأفلام ظل ينحدر وينحدر حتى جاء فيلم القضية 23 ليعود الشغف بهذا المخرج المختلف كليا وجزئيا عن أي مخرج آخر في تلك المنطقة من العالم.

رجل لبناني مسيحي، يقاضي رجلا فلسطينيا لاجئا بلبنان ويعمل بها بسبب “مزراب” لا أكثر ولا أقل، لنبدأ في الكشف عن أزمة أكبر بكثير من أزمة المزراب، اللبناني “طوني حنا” هكذا كان اسمه في الفيلم يطالب باعتذار لا أكثر ولا أقل عن لفظة نطقها الفلسطيني ” ياسر عبد الله” لتبدأ تلك الرحلة التي تحملنا حملا لجرح أكبر وأعمق وأقدم من جرح طوني حنا.

في المرافقة النهاية لمحامي طوني حنا والذي يدعى “وجدي وهبة وقام بدوره الفنان كامل سامح، قال لا يمكن لأحد احتكار المعاناة، المعاناة التي عاشها الجميع، الشعب الفلسطيني ترك أرضه بعد عام 48، وتوالت الأحداث ليعيش الشعب الفلسطيني معاناة تاريخية يعلمها الجميع ويتم تهجيرهم إلى دول مختلفة.

من يبحث في تاريخ العالم العربي يعلم جيدا ما حدث في الأردن عام 1970 وما يعرف حاليا بأيلول الأسود، ومن يبحث أيضا يعرف ما عانته لبنان من حرب أهلية بدأت عام 1975 وانتهت عام 1990، وكل يوم يحدث جديد ومجزرة جديدة وألم جديد وجرح جديد، ولكن نحن العرب اعتدنا على تغطية تلك الجروح لتتقيح وتنز صديدا وروائح عفنة وتزيد من تلك الفرقة العربية.

هذا هو الفيلم، فقط عليك أن تشاهده لتعرف أنه لم يهاجم القضية الفلسطينية يوما، لم يتهم السلطات الفلسطينية للحظة بأي اتهام يمكن أن يؤخذ عليه، فمن أين جاءت تهمة التطبيع؟

زياد الدويري في رأيي ربما أهم ما يميزه كمخرج هو استغلاله غير الطبيعي أو المنطقي للحظات الصمت في الأفلام، بالموسيقي وتعبيرات الوجه والحركة، تتحول لحظات الصمت لمشاهد ربما في كثير من الأحيان أقوى بكثير من مشاهد متخمة بالحوار، سيناريو زياد دويري ربما من أكثر العلامات المميزة في أفلامه.

الأهم أن زياد دويري لا يناقش أمورا لم يعشها، بيروت الغربية كان به جزء من سيرته الذاتية، وحتى القضية 23 يناقش جزءا عاشه هو وعاشته بلدته، ولا نعرفه نحن، نحن نعرف كل شيء عن القضية الفلسطينية ولكننا لا نعرف الكثير عما عاشته لبنان منذ عام 1975 وحتى عام 1990.

زياد الدويري قدرته على اختيار الممثلين وتوظيفهم دراميا حتى توظيف ملامحهم مميزة للغاية، فالتمثيل في القضية 23 كان كأفضل ما يكون، اختيار زياد دويري في رأيي هو لممثلين رجال خاصة في أدوار ” طوني حنا والذي قدمه الفنان عادل كرم، ودور ياسر عبد الله والذي قدمه الفنان ” كامل الباشا” وبالطبع دور المحامي “وجدي وهبة” والذي قدمه كامل سامح، كان اختيارا مترتبا على قدرتهم على استخدام ملامح الوجه وخاصة الأعين في المشاهد وهو ما ظهر بوضوح في مشاهد الصمت.

أيضا الكشف، عرفنا من البداية أن ياسر فلسطيني ولكننا عرفنا في النهاية لماذا حدث ما حدث، في كل مرحلة يكشف زياد شيئا جديدا، فتتوالي الصدمات، ليس فقط الكشف ولكن متى وكيف يتم الكشف هو المهم، ومثال بسيط على ذلك حينما نكتشف أن الأب وابنته يقفان وجها لوجه في ساحة المحكمة كلاهما يدافع عن خصر الآخر فابنة وجدي هي محامية ياسر ووجدي هو محامي طوني، تلك اللحظة التي جاءت فجأة لنجد صراعا آخر داخل ساحة المحكمة.

زياد دويري في رأيي هو أحد أهم المخرجين الذين خرجوا من العالم العربي، حتى وإن كانت له سقطات فنية أو أفلام أضعف من غيرها ولكنه في النهاية يظل زياد دويري الوحيد الذي تجرأ وأعلنها صريحة ليس من حق أحد أن يحتكر المعاناة، وأضيف ليس من حق أحد أن يزايد على الآخر خاصة إن كان هذا الآخر رجلا عاش 15 عاما من الحرب المستمرة مثل زياد دويري.




 تعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

CONTENT MAK Company
الهمة
 كبريتة | حنولعها  محطتك إلى المشاهدة الرايقة .. مستقبل التلفزيون