الطقطوقة .. فن كسر التابوهات

الطقطوقة

الطقطوقة شكل من أشكال الغناء بالعامية يميزه عن غيره طريقة النظم والتلحين والغناء، وتتكون الطقطوقة من مذهب وعدة مقاطع تسمى كوبليهات، ويعاد تكرار المذهب بعد كل منها كما يختم به الغناء مما يجعلها تثبت في ذهن المستمع، أدخل ذلك النوع من النظم إلى الموسيقى العربية شعراء العامية في مطلع القرن العشرين مثل يونس القاضي وأحمد رامي وبيرم التونسي، كما أدخل بديع خيري مقطعا ختاميا من وزن وبحر مختلف عن سائر النظم في بعض الطقاطيق التي لحنها سيد درويش، وتبع ذلك تلحين هذا المقطع بلحن مختلف والانتهاء به بدلا من العودة إلى المذهب كما في الحلوة دي، ولقد لحن سيد درويش عددا من الطقاطيق المشهورة والكلاسيكية مثل خفيف الروح ، وزوروني كل سنة مرة ، واهو ده اللي صار ، وشد الحزام، وعشان ما نعلى ونعلى وغيرها.

كما غنت أم كلثوم من ألحان زكريا أحمد غنيلي شوي شوي ، وقولي ولا تخبيش ومن ألحان السنباطي على بلد المحبوب وهقابله بكرة، وغنى عبد الوهاب خايف أقول اللي في قلبي، وامتى الزمان يسمح.

ولازالت تلك الطقاطيق تمثل في التراث الشعبي قمة السلطنة، ولكن الطقاطيق كانت تكسر تابوهات الجنس والسياسة والدين وقد تم منع عدد منها بل إن البعض يعتبر عبدالوهاب وأم كلثوم أنقذوا الفن من الإسفاف الذي انتشر، رغم أن أم كلثوم غنت طقطوقة باسم “الخلاعة والدلاعة مذهبي” وأقنعها البعض بتغيير الكلمات إلى “أنا اللطافة والخفة مذهبي”، واشتهرت الفنانة نعيمة المصرية بالطقاطيق الجريئة والكلمات الجنسية الصريحة ولحنها لها زكي مراد مثل “وأنا نايمة كترت الأحلام ، والنبي توبة، وغنت سميحة البغدادية “على سرير النوم دلعني”، كما كتب الشيخ يونس القاضي الذي كتب نشيد بلادي بلادي كلمات كثير من الطقاطيق مثل “بعد العشا يحلى الهزار والفرفشة” و”ارخي الستارة اللي في ريحنا” و”فيك عشرة كوتشينة” التي غناها ولحنها محمد عبد الوهاب،واشتهر بأنه صاحب أشهر أغاني هابطة وأول رقيب للمصنفات الفنية، وفي أول يوم من تعيينه قام بمنع كل أغنياته.

 

وقد وصل الأمر إلى أن لقبت المطربة السورية مها عبد الوهاب بمطربة السكس لكثرة الإشارات الجنسية الصريحة في أغنياتها، من تلك الأغاني الطقطوقة التى حملت عنوان “شفتك في نومي”، التي تصور فيها مشهد قدوم المحبوب في منتصف الليل إليها وهي نائمة، أو حتى في أغنية “تصبر عني يوم”، تتحدث عن تفاصيل المكان الذي يمارسان الجنس فيه والضوء المرافق ولون الشجر وغيرها من التفاصيل التي تجعل من القصة أكثر قابلية للتخيل.

لكنها ليست أول من قام بذلك، وقد سبقها كثيرون حتى قبلها بعقود طويلة، فـالعالمة بهية المحلاوية، التي كانت ترافق الراقصة شفيقة القبطية لها تسجيلات إباحية تعود إلى عام 1912، ويعد التسجيل وثيقة نادرة على تاريخ مسكوت عنه ومهمش، بعده جاء اتجاه تطهيري في الفن والسياسة والحياة عموما ، وصار المجتمع أكثر حساسية تجاه التابوهات عموما والجنس بشكل خاص، ولم يبق منه سوى بعض التسجيلات المسربة مثل تسجيل بهية المحلاوية المسجل داخل ستديوهات شركة أوديون، التي كانت مُغرمة بالاحتفاظ بالتراث الشفاهي بشتى تنويعاته، فهي من سجلت لاحقًا لمشايخ ومنشدين مثل الشيخ علي محمود، لكنها هي كذلك التي سجلت موسيقى رقص بديعة مصابني، والتي يمكن مقارنة موسيقى رقصها بموسيقى رقص شفيقة لندرك مدى التطويرالذي قامت به بديعة مصابني ومسرحها مع التراث البلدي السابق عليها، كذلك سجلت شركة أوديون طقاطيق بلدية لعوالم مثل الأختين عيشة ندا وآسية ندا وتسجيلات الأسطى بهية المحلاوية ومنها أسطوانة أخرى لزفة العروس بتفاصيل ليلة الدخلة وفض غشاء البكارة.

وبين السماح والمنع وبين الاتهام بالجرأة والابتذال تظل الطقاطيق جزءاً من التراث الموسيقي الذي يعبر عن فكر حقبة في تاريخ مصر، والذي اشتهر الكثير منه خاصة تلك الطقاطيق التي غنتها أم كلثوم وعبد الوهاب وسيد درويش.




 تعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

CONTENT MAK Company
الهمة
 كبريتة | حنولعها  محطتك إلى المشاهدة الرايقة .. مستقبل التلفزيون