“السمؤال” عائلة يهودية عشقت الشعر وصارت رمزًا للوفاء والكرم

السمؤال

“السمؤال” ربما لو كنت من عشاق الشعر الجاهلي لعرفته، وربما لو كنت من عشاق شعر نزار قباني لسمعت هذا الاسم في مرثيته لزوجته الحبيبة “بلقيس” التي اغتيلت؛ حيث صرخ نزار مهاجمًا العرب:

“أين السَّمَوْأَلُ؟ والمُهَلْهَلُ؟ والغطاريفُ الأوائِلْ؟ فقبائلٌ أَكَلَتْ قبائلْ.. وثعالبٌ قَتَـلَتْ ثعالبْ.. وعناكبٌ قتلتْ عناكبْ…”.

لكن لماذا نادى نزار على السمؤال؟ ومن هو هذا الشاعر الذي ضُرب بخلقه المثل فاقترن اسمه بالوفاء “أوفى من السمؤال”؟

اسمه السموأل بن غريض بن عادياء بن رفاعة بن الحرث الأزدي، شاعر يهودي وُلد في القرن السادس الميلادي -قبل ظهور الإسلام- وكان من أهل تيماء اليهودية، وهو واحد ممن ضاعت معظم أشعاره بسبب الإهمال، فلم يصلنا من أعماله سوى القليل أشهرها “اللامية” والتي يظهر فيها نبل هذا الرجل وحسن صفاته، فهو يرى أن المرء جميل بكل ما يرتديه إذ لم يدنس عرضه باللؤم:

“إِذا المَرءُ لَم يُدنَس مِنَ اللُؤمِ عِرضُهُ.. فَكُلُّ رِداءٍ يَرتَديهِ جَميلُ.. وَإِن هُوَ لَم يَحمِل عَلى النَفسِ ضَيمَها فَلَيسَ إِلى حُسنِ الثَناءِ سَبيلُ.. تُعَيِّرُنا أَنّا قَليلٌ عَديدُنا فَقُلتُ لَها إِنَّ الكِرامَ قَليلُ.. وَما قَلَّ مَن كانَت بَقاياهُ مِثلَنا..شَبابٌ تَسامى لِلعُلى وَكُهولُ وَما ضَرَّنا أَنّا قَليلٌ وَجارُنا.. عَزيزٌ وَجارُ الأَكثَرينَ ذَليلُ…”.

ومن القصص التي تبرهن على وفاء السمؤال وحسن أخلاقه، أن العرب كانوا ينزلون بقصره وحصنه “الأبلق” في تيماء ضيوفًا وكانوا يقيمون بها الأسواق، فعرف عنه الكرم وحسن الضيافة إلى جانب الوفاء، أما فيما يخص الوفاء فقصته مع امرؤ القيس كافية لإثبات هذه الصفة التي اتسمت بها مدينته كلها حيث قال الأعشى عنها:

“بالأبلق الفرد من تيماء منزلة .. حصن حصين وجار غير غدار”. يُنسب البعض هذا البيت للسمؤال أيضًا لا للأعشى.

بعد أن قُتل والد امرؤ القيس على يد بني أسد، قرر الشاعر الذي عاش حياته لاهيًا أن يعتزل اللهو ويثأر لمقتله، خذله كثيرون في معاونته على الثأر لأبيه من بينهم بني حمير، فاتجه إلى ملك الروم يوستنيانوس ليعاونه على الثأر أبيه، لكن قبيل ذلك كان قد ترك دروعًا وكنوزًا وابنته كأمانة لدى السمؤال.

في طريق عودة امرؤ القيس من أنقرة ودع الحياة، فلما عرف الحرث بن أبي شمر الغساني بموته وفي رواية أخرى كان واحدًا ممن أوشوا به لدى قيصر الروم فتسبب في قتله، ذهب إلى حصن الأبلق -حيث تيماء بتبوك في السعودية حاليًا- وطلب من السمؤال الحصول على دروع ومتعلقات امرؤ القيس فرفض محافظًا على الأمانة، مؤكدًا أنها من حق أسرته فقط، فهددوه ولكنه اصر على موقفه.

حاصر جيش الحرث قصر وحصن السمؤال الحصين “الأبلق- سمي بهذا الاسم لأنه مزج بين اللونين الأبيض والأحمر المائل للسواد” الذي بناه جده الأكبر، بينما نسبه البعض إلى النبي سليمان بن داوود:

“ﺑﻨﻰ ﻟﻲ ﻋﺎﺩﻳﺎً ﺣﺼﻨﺎً ﺣﺼﻴﻨﺎً.. ﻭﻣﺎﺀ ﻛﻠﻤﺎ ﺷﺌﺖ ﺍﺷﺘﻔﻴﺖُ”

ولما فشلوا في اختراقه، قرروا خطف ابنه وهو في رحلة صيد وهددوا بقتله، ورفض الشاعر الوفي أن يخون الأمانة مهما كان الثمن، قائلًا “لست أخفر ذمتي ولا أسلم جاري”، فذبحوا ابنه بالفعل أمام حصنه.

“ﻭﻓﻴﺖُ ﺑﺄﺩﺭﻉ ﺍﻟﻜﻨﺪﻱ ﺇﻧﻲ.. ﺇﺫﺍ ﻣﺎ ﺧﺎﻥ ﺃﻗﻮﺍﻡٌ ﻭﻓﻴﺖُ.. ﻭﺃﻭﺻﻰ ﻋﺎﺩﻳﺎً ﺑﺄﻥ ﻻ.. ﺗﺨﺮِّﺏ ﻳﺎ ﺳﻤﻮﺃﻝ ﻣﺎ ﺑﻨﻴﺖُ”.

ﺍﺳﺘﻤﺮ الحصار لفترة ليست بقليلة، لم يستسلم فيها صاحب الحصن، حتى مل جيش الحرث ورحلوا، وجاء ورثة امرؤ القيس وأخذوا الأمانة التي حفظها عنده وكلفته حياة ابنه.

يقال إن شقيق السمؤال كان شاعرًا شديد الثراء أيضًا؛ اسمه سعيه بن عريض بن عاديا، كان يصرف أمواله على أصدقائه وأهله بل وضيوفه من أهل الأوس والخزرج وغيرهم، كانا سعيه وشقيقه شديدي الكرم، ولما ضاعت أمواله وافتقر ابتعد عنه كثيرون، ولما استطاع استعادة ثراءه مرة أخرى، التفوا مرة أخرى، وعُرف عن شريح ابن السمؤال أنه كريم كأبيه وعمه، ومن الحكايات التي اقترنت به أن أنقذ أعشى من الأسر لدى كلبي، وكرمه وأعطاه ناقة وأطلق سراحه، كما ذكر الأصفهاني في كتابه الأغاني.

مصادر:  كتاب ديوانا عروة بن الورد والسمؤال الصادر عن دار بيروت، كتاب هذه بلادنا تيماء تأليف الباحث الأثري محمد حمد السمير التيمائي 1991




 تعليقاتكم

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

CONTENT MAK Company
الهمة
 كبريتة | حنولعها  محطتك إلى المشاهدة الرايقة .. مستقبل التلفزيون