الرهبنة والتصوف و فلسفة الحب

يقول البعض  إن أول راهب هو المسيح وتمثلت الرهبنة عنده في التخلي عن كل مباهج الحياة واحتياجات البشر والتضحية بالنفس من أجل هدف أسمى وهو صالح الكون والقضاء على القبح والظلم، هذا هو المسيح فما الذي يجعل رجلا عاديا يختار العزلة والزهد؟!

يسير في الصحراء حتى يجد مكانا مناسبا منعزلا، فيجعل منه سكناً ليس به من ترف الحياة شيء، فقير معدم زاهد ولكنه سعيد، تلك السعادة التي وصفها نجيب محفوظ في روايته أولاد حارتنا بالسحر الذي يؤدي إلى الحرية والخلاص،  فالرهبنة تهدف إلى الحرية من قيود الاحتياج، سواء كان ماديا أو معنويا والاكتفاء فقط بالحاجة إلى السعادة وإلى الشعور بوجود الله وبمحبته وبما يضعه في الكون وفي نفسك من جمال.

ولكن التاريخ يثبت إن فكرة الرهبنة موجودة منذ قديم الأزل وإن اختلفت المسميات ولكن دائما ما يرتبط سمو الروح بالتخلص من قيود الجسد، فإخناتون الملك الفرعوني كانت له ميول تصوفية، وكان يستمتع بمناداة الإله ومدحه وتبجيله، فإن المصريين القدماء تركوا لنا ميراثا للتعامل ومنها ترانيم إخناتون الذي كان متصوفا، بل ويقال إنه مؤسس التصوف، ومنها إلى الرهبنة التي تحمل التصوف والتعبد، وكذلك زنون أول متصوف إسلامي، فإن التصوف متوارث من القدم وكل من التصوف والرهبنة يبحثان عن لقاء الله وعن رؤية الله في الموجودات جميعا، والإحساس بالحب والرحمة في كل خلقه.

والشبه بين الفكر الصوفي في الإسلام والرهبنة في المسيحية كبير جدا وإن كان التصوف لم يأخذ الشكل التنظيمي كما في الرهبنة وأيضا لم يتم وضع قواعد محددة له فالتصوف هو حب باطني لا يمكن أن تحكمه الظواهر، إن ارتبط ببعض الأفعال الظاهرة فهي في النهاية ليست شرطا للإيمان بالفكر نفسه.

جاك دريدا اليهودي والذي قارن البعض بينه وبين ابن عربي وايكهارت، دريدا المولود في الجزائر قال عن نفسه في أحد أعماله إنه “عربي فعلا، يهودي بالكاد” اهتم بالتصوف وبالروحانية وعلى وجه التحديد، كان اهتمامه بالكيفيات التي من خلالها حاول عدد من المعلقين والمحللين أن يصفوه أو يعدوه متصوفاً، حيث إنه يجعل من شخصيته مثل العلامة “إيكهارت” رائداً من رواد التفكيك أو ما بعد البنيوية، وكل من ابن عربي وجاك دريدا لم يحاول ربط نفسه وكتاباته بمدرسة فكرية أو مذهب بعينه، أو تقليد فكري سائد، وجمع بينهما تفردهما فكريا عن المفكرين الذين عاصروهما، بل وانتقد كل منهم كثيراً من المفكرين حيث انتقد ابن عربي المعتزلة والأشاعرة، وكذلك الباطنية، وفعل الشيء نفسه دريدا حيث انتقد المدرسة الظاهراتية أو مدرسة الظواهر وكذلك علماء اللغة البنيويين فضلاً عن الوجودية.

 ويعرف الدارسون أن إيكهارت الذي كان يلقي مواعظ يتناول فيها قضايا لاهوتية هو من الذين تأثروا بأفكار ابن عربي في كتابه “الفتوحات المكية”، وبعد وفاته بعام أدانه البابا يوحنا الثاني عشر بسبب هذه المواعظ والتشابهات، والمنطلقات كبيرة بين ابن عربي وايكهارت، فحين يتحدث إيكهارت عن “انبثاق الكلمة في الروح” نجد ابن عربي يتكلم عن “نزول القرآن في القلب”، وحين يتحدث ابن عربي عن الإنسان الكامل يتحدث إيكهارت عن الإنسان النبيل في المقابل، ويتحدث ابن عربي عن “العودة إلى حالة اللاوجود” ويعني أن يعود الإنسان إلى الله ويتغلب على شعوره الوهمي باستقلاليته، فنجد لدى إيكهارت حديثه عن “إن الإنسان يستعيد في الفقر الوجود الأبدي الذي كان عليه والذي هو عليه الآن والذي سيظل فيه للأبد”.

فالتصوف والرهبنة هي الفناء والبقاء حين يحملان نفس المعنى فجلال الدين الرومي يقول ” المحب الصادق من انتقل إلى صفة المحبوب، لا من أنزل المحبوب إلى صفته”، فالحب الإلهي الصادق كان سبيلهم الوحيد للحصول على السعادة، فحاجة الإنسان إلى الدين هي حاجة فطرية تنبع من داخله، ومن رغبته في التطهر من الكره والغضب والعنف والطمع.




 تعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

CONTENT MAK Company
الهمة
 كبريتة | حنولعها  محطتك إلى المشاهدة الرايقة .. مستقبل التلفزيون