رئيس مجلس الإدارة : رشا الشامي

رئيس التحرير : أسامة الشاذلي

الترند يكسب

الترند

البيه

الترند أكبر منَّك، وأسرع، وأمهر في المراوغة والوصول لأهدافه، الترند يستطيع التهامك، يجعلك تحلم به، تتحدث بشأنه، تخاطبه، تتابعه، تلهث وراءه، عندما تجهله فأنت تجهل إيفيهات الأصدقاء، تجهل الأحاديث العابرة، آراؤك المعلبة القديمة ستهاجَم بضراوة، ستكون ماشيًا على أقدامك والجميع محلقون في طياراتهم، متأخرًا عن الزمن والأحداث والعالم، مغتربًا غربة كامة عن الآخر البعيد العارف بالترند.
الترند يلاحقك أينما كنت، وهو بشكلٍ لا واعي غريب يستطيع أن يتخللك، وبصورة أدق يستطيع أن يُجري عليك بعض التأثيرات الداخلية وأن يزرع بعض الأفكار الجديدة في عقلك، وفجأة ترى نفسك تتحدث عن هذه الأفكار الترندية كأنها أفكارك، كأنك اكتشفتها أمس عندما كنت متأملاً سقف الحمَّام، عقلك يتحِّد مع الترند ضدَّك، يجعلك أسيرًا له، لسانك ينطق بما جاء على لسان الآخرين دون تفرقة بين ما هو أصلي وقديم داخلك وبين ما اكتسبته لاواعيًا جرَّاء متابعة الترند.

الأمر لا يتوقف عند هذا أبدًا، فدائمًا أنت على صواب، لأن كل ترند يعقبه ترند يعقبه ترند في نفس الموضوع إلى ما لا نهاية، فلو ناقشنا مثلًا مسألة التحرش والطريقة الأمثل للتعامل معها.. تجد الترند الأول يحبذ العنف في التعامل لأن القوانين لا تطبَّق بصرامة كافية، هل تعترض على العنف؟ إليك الترند المضاد الذي يقول بأنه عندما نتخلى عن تطبيق القانون في أمر فإنه تشريع لأن نتخلى عنه في كل الأمور وهو أمر خطير للغاية، أعجبك؟ إذن تفضَّل إياه، وقل لصديقك الذي لا يعجبه الاثنين أن يلحق مسرعًا بالترند الذي يسُب في تأخر سن الزواج وغلو الإيجارات و… إلخ.
يبدأ صغيرًا ثم يكبر ويكبر ويكبر حتى ينفجِّر ولا تعلم أبدًا من أين بدأ، ولن تجد في الغالب مبررًا كافيًا لانتشار ترند ما، فمثلًأ مسلسل (لن أعيش في جلباب أبي) عُرض عام 1996، أي منذ أكثر من عشرين عامًا، من الذي أطلق ترند ابراهيم سردينة فجأة؟ وكيف لشخصية ثانوية في مسلسل أن تحقق كل هذا النجاح بعد مرور عشرين عام؟ الرائع عبد الرحمن أبو زهرة شخصيًا تفاجأ من هذا الانتشار الغير عادي، ويومًا بعد يوم يظهر ترند لاحقًا بآخر ونظل نحلب الترند حتى يُصَفَّى تمامًا وينتهي، وكأنه يحمل في داخله أسباب موته .. فهو يعيش حياة عظيمة جدًا ويموت غريقًا منسيًا في بركة مياه عفنة قديمة.
ترند الأشياء مع الوقت تحوَّل لترند الأشخاص، وعندما ينطلق الترند في اتجاه واحد فحقيقة أؤكد لك أنه من الصعب جدًا معارضته، فترند (أحمد عبد العزيز) بطل معظم مسلسلات التسعينيات يقول بأنه أوفرأكتينج وأن تمثيله الميلودرامي أحيانًا كثيرة يبعث على الضحك، وفي أيام قليلة أًصبحت السخرية منه ترند مقبول وطريف، وأنا وأنت لا نستطيع أن نقف في وجه الترند لنقول أنه ممثل مجتهد وأن هذه الأدوار جميلة بدليل أنها عالقة في الأذهان، لأنه ببساطة لن يسمعك أحد ولن يهتم لرأيك شخص، أما إذا ذكرت في جلسة الأصدقاء شنب أحمد عبد العزيز في جملة عابرة فستجمع الضحكات بسلاسة .. لأنه الترند كده.
في الترند الجميع يدلي برأيه، مشاركتك برأيك في الترند دليل قاطع على أنك لازلت حي، ولازال لديك آراءك الخاصة التي ما هي إلا نسخ مكررة من آراء الآخرين القائمين على نفس الترند، ثم يظهر ترند مضاد، ثم ترند ضد المضاد، وترند يسفه من ترند ضد المضاد، وسلسلة لا نهائية من الترندات لتنتهي بترند جديد يظهر يأكل القديم في وحشية ولا يترك لعظامِه أثر.
في وسط هذه الموجة من الترندات أحيانًا ينتشر ترند جيد، مؤخرًا انتشر ترند يعرِّف الناس بأن الاكتئاب مرض حقيقي يحتاج إلى علاج ورعاية ومتابعة وليس له علاقة مطلقًا بالاقتراب من الله وتلك النصائح العجيبة التي تصدَّر للمكتئب، هذه نصائح ربما تنصحني بها عندما أشكي لك سوء حالتي المزاجية، أما عندما أكون مكتئبًا، عندما أفقد قدرتي على ممارسة حياتي الطبيعية، وأعاني من خلل في كيمياء دماغي فعليك أن ترشح لي اسم طبيب نفسي، هكذا يقول المنطق.. أو عفوًا هكذا يقول الترند.
رُبَّما تحاول من حين لآخر عزل نفسك عن الجديد، ربما تحاول أن تمنع نفسك عن إدلاء رأيك في ترند ما، لكني أقول لك يا صديقي أنه لا يمكنك بأي حال تجنُّب الترند، فعدم اشتراكك فيه هو في ذاته ترند آخر يسعى آخرون مثلك له، وتسفيهك منه هو ترند آخر، وسواء أحببت الترند أو لم تحبب فنحن نخسر معاركنا معه يوميًا فهارد لاك يا صديقي وتقبَّل القاعدة القائلة بأنه دومًا الترند يكسب.

 تعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

كبدة العربيات بتيجي منين؟ .. رحلة “ساندوتش مستورد” يهدد حياتك