الترتيب الحقيقي لكليات القمة.. لا طب ولا هندسة

كليات القمة

طول عمري كنت أبحث عن إجابات لأسئلة مثل لماذا الطب كلية مصر الأولي؟ ويأتي بعدها هندسة وعلوم وصيدلة؟ بالنسبة لي أعتبرها من الأسئلة الوجودية، لماذا هذه الكليات تسمي كليات القمة، كنت محتارًا في النظرية التي تجعل الطبيب في الأول والأديب في الآخر، من تجعل المهندس في الأول والبيزنس مان في الآخر، من تجعل الصيدلي في الأول وحُجة اللغة في الآخر!

فكرت في أن تفكير المجتمع المنحصر بين الأكل والجنس هو ما وجهه للتفكير باعتبار من يعالج أضرار الأكل ويجعل أداءه جيدًا دائمًا في الجنس يجب أن يبقي في المقدمة، فكرت أن هذا المجتمع سبق وشِرب فكرة الفقر الجميل والزج بالحمد لله دون السعي فتوقف الطموح عن أن يخرج ابنك بيزنس مان وتوقف حلمك على أن يأويك حتة بيت فقدست المهندس، هذا طبعًا في كوم وتقديرك للصيدلي ليلة الخميس كوم آخر، أعتقد أن الصيدلي في ليلة الخميس المصرية يصبح بمقيمة رئيس وزراء .

طريق التغيير

دعنا من جذر المشكلة وخلينا في دلوقت، لن نلف وندور كثيرًا لنعرف السبب لأنه في الحقيقة يرجع إلى أن أمك تريد أن تراك أحسن واحد في الدنيا، يُترجم هذا في مصر إلى أنك تجيب مجموع عالي في ثانوية عامة، والسؤال هنا، لو أن كلية الآداب مجموعها 99% وكلية الطب 75% ، الحاجة هتعوزك تطلع أديب ولَّا دكتور؟

شخصيًا أري أن بمجرد أن يأخذ الوزير الخطوة الجريئة ويغير ترتيب الكُليات ستظل مصرتحت تأثير الصدمة ثم سيغير المجتمع فكره ويستسلم للأمر الواقع ويترك الأبناء يتجهون إلى ما يحبونه. ولكن ما سيكون ترتيب الكليات من حيث الإفادة من وجهة نظرك؟

تربية 99%

” خطأ الطبيب يُدفن تحت الأرض، وخطأ المهندس يقع علي الأرض، وخطأ المُعلم يسير على الأرض”، أرى أن القرار الصائب الذى سيُشعر الناس بالتوجه السليم الجديد هو أن تتفوق كلية “تربية” على نظيرتها من الكليات، جميع التجارب التقدمية التي خاضتها الدول النامية وانتصرت كان سلاحها الأول “التعليم”، الأمر لا يتوقف عند ترتيب كلية التربية في المقدمة بل هي منظومة كاملة للإعلاء من قيمة المٌعلم وتغيير نظرة المجتمع تجاهه، ولكننا مجتمع يعشق المظاهر والأرقام والمناظر فترتيب الكلية كإحدي كليات القمة هي خطوة كبيرة وقفزة نحو تغيير التفكير المتجمد من قديم الأزل !

فنون جميلة 98%

“البهتان” من أكبر مشاكل هذا البلد، جرب أن تنزل الشارع وستُسد نِفسك تلقائيًا، أصبحت العمارات تشبه بشكل كبير علب السردين، الجدران مصابة بالكآبة، كثير من الشوارع يُصرف على بناياتها ملايين ولكنك تشعر أن هناك شيئا خاطئا، كل شيء مضبوط ولكن لوحده، حقًا نحتاج للمسة فنان!

فى تجربة أقل ما يقال عنها أنها (حلوة)، زين شباب من الفنانين محطة الأوبرا برسومات تُحفة تفتح النفس، جعلت الجميع ينزل الي الأوبرا مخصوص ليلتقط السيلفي مع هذا الجمال، جعلت المارة يتثاقلون في المشي ليستمتع للحظات بلمسات الفنانين. لم تختلف كثيرًا تجربة إخوتهم الفنانين في أسوان حيث استيقظ أهل أسوان من النوم ليجدوا جداريات لأحمد منيب ومحمد منير وشيكابالا والدكتور مجدي يعقوب وبكار، في لمسة وفاء من فنانين وفنانات الصعيد لرموزهم. لا تختلف أهمية الفنان عن أهمية مهندس البترول، ولنقيس مدى سعادة الناس قبل منحوتات محمود مختار وبعد توقفها.

آداب 97% 

بدلًا من الشكوى “عمَال على بطَال” من أن عقل شباب مصر في الضياع، اهتموا بالكنز الموجود في مصر وتم تدميره وبالتالي اندثاره، “كلية الآداب ” تلك الفرصة العظيمة التى تخرج لك فردًا لديه معرفة بالشك الديكارتي والفكر السقراطى ومسرح وليام شكسبير واتجاهات نيتشه الفلسفية، هذا الذى من المفترض أن يقود وعي المجتمع ويشكل عقله فيما بعد، بدلًا أن نترك العقول لهراء السوشيال ميديا وسخافة المدعين والمعقدين، يغمرنى الحزن حينما أسمع ولي أمر ينصح ابنه بعدم دخول كلية الأداب معقبًا “مالهاش شغل”، هل حقًا عقل الشباب الآن مش محتاج شغل؟! –أعتقد أننا الآن ندفع الثمن !

هل نعيش لهذا اليوم؟
هل ترى يهتم المصريون ثانيًا بالتعليم والعقل والجمال؟ جربنا إفساح المجال للخرسانة والحديد وإشباع رغبات، إلي ماذا وصلنا؟ منذ يومين ناقشت المؤسسات المسئولة ملامح تنظيم القبول للكليات باختبارات المواهب بعد إلغاء منظومة التنسيق نهائيًا عام 2022 وهذا في حد ذاته شباك أمل يجعلنا نتأهب لما سيحدث، هل سيجئ اليوم الذي تقول الأم لابنها “شد حيلك عشان تدخل تربية وتبقي أحسن من ابن خالتك اللي مالحقهاش ودخل آداب”؟




 تعليقاتكم

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

CONTENT MAK Company
الهمة
 كبريتة | حنولعها  محطتك إلى المشاهدة الرايقة .. مستقبل التلفزيون