رئيس مجلس الإدارة : رشا الشامي

رئيس التحرير : أسامة الشاذلي

استمارة 6 .. ورقة ملعونة غذاؤها بطالة الشباب ويستغلها القطاع الخاصة

استمارة 6

ضحايا استمارة 6 يتحدثون: “نوقع على استمارة الفصل مع عقد العمل”

خلال منتصف عام 2013، تخرج “علي محمد”، 27 عامًا، في كلية التجارة جامعة القاهرة، حاملًا طموح جارف، وأحلام وردية، التحق سريعًا بشركة تسمى “آ.ر” التجارية، معلقًا على بابها أحلامه العديدة، إلا أن جميعها تحطمت سريعًا، حين تفاجىء بإن الشركة تجبره مع زملاؤه على توقيع ورقة استقالة (استمارة 6)، كشرط للاستمرار والتعيين في الشركة، وقعها مجبرًا، لكن لم يلبث عقب مرور شهرين، حتى قامت الشركة بفصله تعسفيًا هو و20 من زملائه، ممن وقعوا على نفس ورقة الاستقالة.

“علي”، هو واحد ضمن عشرات الشباب، الذين أصبحوا ضحايا لما يعرف باسم “استمارة 6″، بعدما استغلتهم شركات القطاع الخاص بكل الطرق، بداية من تسخيرهم للعمل لعدد ساعات طويلة مخالفة لقانون العمل، مرورًا بالمرتبات المجحفة التي تخالف الحد الأدنى للأجور، نهاية بإجبارهم التوقيع على ورقة استقالة مع عقد التعيين، حتى يتسنى لتلك الشركات فصلهم تعسفيًا، والاستغناء عنهم وقتما تريد بفسخ عقد التعيين وإشهار ورقة الاستقالة التي وقعوا عليها في البداية والإدعاء بإنهم تركوا العمل بإرادتهم، ما يضيع حقوقهم.

قانون العمل الجديد يمنع الفصل التعسفي و”استمارة 6″

يوجد في مصر قرابة 27 مليون عاملٍ بالقطاع الخاص، حسبما ذكرت آخر إحصائية صدرت عن وزارة القوى العاملة في منتصف 2016، يحكمهم جميعًا قانون العمل رقم 12 لسنة 2003، والذي ينص في مادته رقم 71، على إنه لا يوجد ما يسمى بالفصل التعسفي للعامل أو إعطائه استمارة 6، ولكن أن أراد صاحب العمل إنهاء خدمة عامل، تجري الشؤون القانونية تحقيق معه حول مخالفته، ثم تحيله إلى المحكمة العمالية وهي من يحق لها فصله.

شركات القطاع الخاص، تضرب بذلك القانون عرض الحائط، وتقوم بإجبار العمال التوقيع على استمارة 6 كشرط للتعيين، وهي استمارة يقدمها صاحب العمل للتأمينات أو الجهات الحكومية لإثبات نهاية خدمة العامل الموقع عليها، في الوقت الذي يريده ولأي سببًا كان دون وضع اعتبارًا للقانون، أو المحكمة العمالية التي يحق لها فقط فصل العامل، ما أدى إلى عزوف الكثير من الشباب عن العمل في القطاع الخاص.

اتساقًا مع ضرورة وجود من يراقب ويحكم القطاع الخاص في مصر، يعكف مجلس النواب الآن، على إعداد مشروع قانون العمل الجديد، الذي من أهم بنوده إلغاء ظاهرة “استمارة 6″، أو الفصل التعسفي، بمعنى تجريم توقيع العامل على استمارة فصله مع عقد العمل، ولا يحق لصاحب العمل فصله تعسفيًا إلا أمام لجنة، ما يمثل أمنًا لتلك الحقوق المهدورة.

“علي”: “خدت استمارة 6 بسبب تأخير ساعة”

600 جنيهًا، هم راتب “علي” على مدار ثلاثة أشهر عمل خلالهم في تلك الشركة الخاصة، كان يعمل قرابة 15 ساعة متواصلة في قسم الحسابات من السابعة صباحًا حتى العاشرة مساءً قبيل انتصاف الليل، ورغم ذلك فصل تعسفيًا لسبب لا ينص عليه القانون.

مجبرًا كان على ذلك العمل بحكم غربته بعيدًا عن بلدته وأهله، يقول: “أبي شيخًا كبيرًا يعمل إمام جامع على المعاش في محافظة المنوفية، يعول ثلاثة بنات وأخ ثان ليّ، فكان يعول كثيرًا حتى انتهائي من دراستي وبدأت في الالتحاق بعمل لنجلب منه الرزق وحتى يخف الحمل من عليه”.

إدارة الشركة طالبته بتوقيع ورقة الاستقالة مع عقد التعيين كشرط أساسي له، “وقعت مع زملائي على استمارة الاستقالة رغبة في أن نصبح مُعيين بالشركة لنا تأمين وحقوق، ولم نكن نعلم أنها بداية النهاية”، “محمد” يشير إلى أن الشركة استغلت تلك الورقة وفصلتهم جميعًا وأعطتهم “استمارة 6” كما يصف، ولم يستطعيوا فعل شيء بسبب قانونية ما قامت به الشركة، اعتمادًا على أن العامل وقع على استقالته بنفسه، ووقتها سخرت منه الإدارة بإن فصله كان بسبب تأخره لمدة ساعة.

271 حالة فصل تعسفي في 2016

وبالأرقام تضح فاجعة الأمر أكثر، ففي سبتمبر من عام 2016، أفرج الجهاز المركزي للإحصاء، عن إحصاء سنويًا صادمًا، وصلت فيه حالات الفصل التعسفي للشباب التي يمضي فيها العامل على استمارة 6 مع عقد التعيين إلى 271 حالة، وفصل 900 عاملًا دون التوقيع عليها (تسريح).

بيد أن “التنسيقية المصرية” منظمة حقوقية غير حكومية، رصدت أرقام أضخم، فقالت إنه تم فصل 6000 عامل عام 2016، ونُظم خلال نفس العام 493 احتجاجًا عماليًا، كما أضرب العمال في نحو 40 منشأة ومؤسسة، حسبما جاء بإحصائيتها.

ويبلغ عدد العمال بالقطاع الخاص 24 مليونًا خلال عام 2016، مقابل 26 مليونًا و431 ألف في 2015، بزيادة 503 آلاف شخص بنسبة 1.8%، حسبما ذكر الجهاز المركزي للتعئبة العامة والإحصاء في آخر إحصاء له بنفس العام.

“حسني”: “معاقًا ومريضًا وتم فصله تعسفيًا بسبب استمارة 6”

“علي” ليس الحالة الوحيدة، فهناك الشاب “حسني عبدالعظيم” 30 عامًا، الذي لم تكن إعاقته شفيعة له لدى شركة “أ.س” لصيانة الأجهزة المنزلية، بعدما عمل بها كـ فني تصليح لمدة عام كامل، عقب حادث سير بُترت فيه قدمه اليمني، وقبلته الشركة على تلك الحالة، براتب لم يتخط 1000 جنيهًا شهريًا، وساعات عمل وصلت إلى 10 ساعة في اليوم الواحد رغم إعاقته.

وقتما تقدم “حسني” للشركة فاجئته الإدارة بضرورة توقيع ورقة استقالته “استمارة 6” مع عقد التعيين، وحين استفسر عن الأسباب قيل له إنه تلك الورقة حماية له وللشركة: “قالولي إنهم بيعملوا كدة عشان يحفظوا حقهم وإن عقد التعيين بيحمي العامل فلازم هما كمان يأمنوا نفسهم، مفهمتش بس مضيت”.

مرّ العامل الأول بسلام تام الشاب في عمله وورقة الاستقالة لم تظهر بعد، إلا إنه فوجىء بفصله تعسفيًا مع 5 من زملاؤه بدون أي سبب واضح، فقط قامت الشركة باستخدام “استمارة 6” التي وقعوها وأدعت أن العمال تركوا العمل بمحض إرادتهم ليس بحيله منها.

يقول الشاب: “تم فصلي من يوم ٢٩ ديسمبر 2017، وأنا أعول طفلين بالمرحلة الإعدادية، وليس لي مصدر رزق، ومريض بالقلب وعملت قسطره في الشريان التاجي، وكل ده عشان مفيش قانون بيحمي العامل من مافيا القطاع الخاص أويلغي موضوع استمارة 6”.

حسني

عقوبات هزيلة وعمال مضربون في وجه القطاع الخاص

“الأزمة تكمن في العقوبات الهزيلة، وعدم وضوح مواد قانون العمل”، حسبما يصف لـ”المولد” الدكتور صلاح فوزي، أستاذ القانون جامعة المنصورة، قائلًا: “هناك عقوبات هزيلة لصاحب العمل، في المادة 250 من قانون العقوبات، فقط يكتفي بغرامة 200 جنيهًا حال مخالفته أحد مواد قانون العمل التي من ضمنها الفصل التعسفي”.

ومن واقع الملف العمالي في مصر، نجد أن كثيرًا منهم لجأ إلى فكرة الاضراب تعبيرًا عن رفضهم للفصل التعسفي الذي يتم باستخدام تلك الاستمارة، فلا ننسى اعتصام عمال شركة منتجات الألبان “آ.ب” بسبب تسريحهم بعدما وقعوا على استمارة 6 وقت تعيينهم، وأيضًا عمال شركة “ل.س” للكابلات في عام 2013، وعمال شركة “ب.ت” للبترول.

“حامد” بعد 14 سنة خدمة “خد استمارة 6”

حالات كثيرة ونماذج مثيرة، وقعت في فخ تلك الاستمارة غير القانونية، فهناك “حامد عبدالرازق” 40 عامًا، يعمل في شركة “أ.أ” منذ عام 1997 بوظيفة لحام كهرباء وأكسجين، مضى عقد التعيين بعد مرور خمس سنوات على التحاقه بالشركة، التي طالبته بعدها بكتابة استقالة وتوقيعها بدعوى إنه إجراء روتيني.

إلى هنا سارت الأمور على وتيرتها الطبيعية، إلا أنه في عام 2014، أصيب في قدمه، بحادث تسبب في قطع بالغضروف وتهتك في الأربطة؛ ما جعل طبيب الشركة تحويله إلى عمل بسيط وتعيير المسمى الوظيفي مسجل بيانات فنية.

ومن ثم ظهر الوجه الخفي لـ”استمارة 6″ التي وقعها في البداية، حين تم الاستغناء عنه بدون سبب وفصله تعسفيًا، يقول: “أنا متزوج وأعول أسرة مكونة من أربع أولاد ومنذ فصلي وأنا أعمل في مهن لا تدر دخلًا وفيرًا لأسرتي”.

حامد



 تعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

CONTENT MAK Company
الهمة
 كبريتة | حنولعها  محطتك إلى المشاهدة الرايقة .. مستقبل التلفزيون