أسامة أنور عكاشة وزمن الملل الجميل

أسامة أنور عكاشة

“هي دي مسلسلات، انتو مشفتوش أيامنا كنا ازاي بنتلم قدام ليالي الحلمية” اعتاد والديّ دوما تأنيبي بهذه الجملة إن تمسكنا بمشاهدة برنامج جديد، أو حفلة من “ليالي التليفزيون”، أو أي شيء يحوي تسلية حقيقية بدلا من المسلسلات “المملة” التي اعتدنا مشاهدتها والتي دائما ما كانت تحمل توقيع “أسامة أنور عكاشة”.

مع كامل احترامي الشديد للكاتب الكبير، لكنني أري وبكل بساطة أنه “أوفرريتد” مبالغ في تقييمه، مبالغ في الحجم الذي يأخذه وسط “روائيي مصر” و”كتاب سيناريو مصر” وأن غيره -على سبيل المثال- محسن زايد، كان أولي بالمساحات الرهيبة والإمكانيات الكبيرة التي حصل عليها أسامة “فقط لأنه ناصري الهوى”.

لا يخفي على أحد أنه مع بدايات حكم “محمد حسني مبارك” كان هناك اتجاه خافت في إعلام الدولة بشجب حقبة “السادات” وإذكاء الحنين لحقبة “ناصر”، فظهرت العديد من الأعمال التي تشجب “الانفتاح” وتلعن اليوم الذي انفتحت فيه مصر على العالم، كأن مصر كانت “جنة” قبل حكم “السادات” متناسين إنجازاته الكبيرة، لكن، لله الأمر من قبل ومن بعد، لاقت ميول “أسامة” تشجيعا كبيرا من مؤسسات الدولة، وتخطي الجميع، رغم توسط موهبته، وانفتحت له استوديوهات التليفزيون، وأغرق الشعب المصري بإنتاجه الغزير.

حاولت وبشدة أن أشاهد “ليالي الحلمية”، والحق يقال لا شيء مميز في المسلسل سوي موسيقي “ميشيل المصري” وصوت “محمد الحلو” غير هذا، هو مسلسل مغرق في الملل، شخصياته إما طفولية ساذجة، بريئة كصفحة بيضاء، أو شريرة، لكنه ليس هذا الشر المركب، شر أشبه بشر أفلام الكارتون، حيث “بلوتو” يخطف “زيتونة” زوجة باباي بلا أي سبب، فلا هي بالجميلة، لكنه فقط يفعلها لأنه “شرير” والشرير يضحك ضحكة شريرة، وتلتمع عيناه بنظرة الشر، ويلقي عقابه كمسرحيات “يوسف وهبي” الميلودرامية الزاعقة حيث يهتف بصوته الجهوري “أهلكي يا فاجرة، حتي لا تخوني رجالا آخرين”!

رأيي بالتأكيد لم ينبع من مشاهدة “ليالي الحلمية” فقط، شاهدت “زيزينيا” و”عصفور النار” و”المصراوية” و”الراية البيضا” و”أبو العلا البشري” و”الشهد والدموع” وغيرها، وكلها تتشابك في نفس الحبكة، زمن الستينيات الجميل، حيث الجميع كان ينعم في جنة الناصرية، ثم الانفتاح البشع الوقح، الذي بلانا بأشرار مثل: فضة المعداوي “في الراية البيضا” –  أبو سمانة “أبو العلا 90” – دولت “الشهد والدموع” ، في مواجهة أبرياء أنقياء لا يرتكبون الأخطاء وتمسكهم بمبادئهم يعادل القبض علي الجمر مثل: مفيد أبو الغار – أبو العلا البشري – فتح الله الحسيني وغيرهم.

طبعا، طفولية الشخصيات، وسذاجة الرسم الدرامي، لا تعادل على الإطلاق، رتابة الحوار، وعدم مناسبته لخلفية كل الشخصيات، الحوار “في كل المسلسلات” لم يتعد الخطاب المباشر، كل أبطاله “فلاسفة رواقيون” يتحدثون بكل طلاقة عن الحق والعدل والخير، بدون أي فوارق طبقية، أو تعليمية حتى، كأن الجميع يتحدث بلسان أسامة أنور عكاشة نفسه، والجميع يري العالم بعينيه.

لم أتسرع في حكمي بالقطع، لكنني قرأت له أيضا روايتين “سوناتا لتشرين” و”منخفض الهند الموسمي”، روايتان متوسطتا المستوى، لكن “منخفض الهند” تعرضت لمعجزة بين أيدي “مريم نعوم” التي حولتها من رواية “مملة” لملحمة درامية، أحبها الجميع، واختلفت كل الاختلاف عن أعمال “عكاشة” التقليدية.

الخلاصة أن “شهرة” أسامة أنور عكاشة ، كانت فقط بسبب “المنبر الواحد” والذي تم فرضه علينا بالقوة، لكنه إن وجد في وقتنا هذا، وفي خضم منافسة حقيقية، لن يجد فرصة حقيقية له، فعالم دراما “الأبيض والأسود” انتهي إلى غير رجعة، وحتى إن وجد في الدراما فنحن نشاهده على سبيل التسلية، والسف ليس إلا، ليست بالشيء الذي تلتف حوله الأسرة، فزمن الدراما ذات الخطب العنترية الموجهة، انتهي وإلي غير رجعة.




 تعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

CONTENT MAK Company
الهمة
 كبريتة | حنولعها  محطتك إلى المشاهدة الرايقة .. مستقبل التلفزيون