أبناء الفراعنة المحدثون .. كيف رأى المؤرخون الإنجليز الوحدة الوطنية في مصر؟

كثيرا ما قرأنا أو شاهدنا مواقف تتحدث عن اللحمة الوطنية للمصريين حتى بلغت حد الابتذال في السينما وأصبح مشهد الشيخ والقس من المشاهد المعتادة في السينما والحياة أيضا للتعبير عن الوحدة الوطنية لدى المصريين , وهو ما جعل الأمر يبدو تهكميا أكثر من كونه توطيداً للمحبة والوحدة .

و لكن في مكان أخر كان هناك من يرصد ويراقب تلك المشاعر المصرية التي صارت جزءا من الجينات داخل أوردة المصريين , ففي كتابه ” أبناء الفراعنة المحدثون ” تحدث المؤرخ الأنجليزي ” س .هـ . ليدر ” عن المشاعر الوطنية لدى الشعب المصري بعد أن رصدها خلال رحلته في القرى والنجوع المصرية إبان الاحتلال الإنجليزي لمصر 1882 م .

كتاب أبناء الفراعنة المحدثون

الدكتور فانوس

يحكي ليدر في كتابه وقائع حقيقية  كثيرة عن روح الوحدة المصرية , منتقدا التشكيك الذي كان يحاول الكتاب الأنجليز توصيله إلى أوربا , حتى وصل الى حد التدليس في بعض الكتابات , ومن أهم الحكايات التي رواها ” ليدر ” قصة الدكتور ” فانوس ” أحد أعيان المسيحيين في صعيد مصر وتحديدا في محافظة “أسيوط ” والذي وصفه ليدر بأنه ” ذلك الرجل المثقف وربما يكون أعظم خطيب في حي مصر ” , فهو ذلك الرجل الذي أعلن أمام حشد عظيم من أبناء بلده  أن المسيحيين والمسلمين قد قسموا بالفعل , ومع ذلك فالواقع أنهم شعب واحد وموحد , والاختلاف الوحيد في العقيدة , فالمسلمون والمسيحيون أحفاد شعب مصر العظيم الذي عاش قبل سبعة آلاف سنة على نفس الأرض .

أخنوخ فانوس

ولع القديسين

من المظاهر التي لفتت انتباه ليدر في مصر هو ولع المصريين بالقديسين و أولياء الله الصالحين مشيرا الى أن ذلك الأمر يشترك فيه المسيحيون والمسلمون على حد سواء فكلاهما يبجل ويحترم قديسي وأولياء الطرف الآخر , ويروي أنه عند مرور سيدة أنجليزية تدعى “الليدي داف ” , بقرية “ببا ” بمديرية بني سويف خلال زيارتها الأولى لمصر , قد مرت على الكنيسة القبطية الموجودة هناك وربما يقصد ليدر كنيسة “بياض العرب” , وجدت داف عامل بناء يقوم ببعض الترميمات داخل الكنيسة .والذي أخبرها بكل فخر أنه مسلم من القاهرة زاره القديس المدفون بكنيسة ببا ثلاث ليال متوالية وأمره أن يترك عمله في القاهرة ويذهب الى تلك القرية البعيدة لترميم كنيسته , وعرض العامل أن يقوم بترميم الكنيسة مجانا إذا أحضر أحدهم المواد اللازمة.

كنيسة بياض العرب حاليا أو دير العذراء مريم

حاملة الكتاب المقدس

كانت هناك سيدة تدعى ” ميس واتلي ”  تعيش في القاهرة وتعمل على التبشير والوعظ في القرى المصرية النائية حاملة الكتاب المقدس معها “الإنجيل” , وبينما كانت واتلي جالسة في إحدى القرى النائية التي  يقطنها أغلبية مسلمة , جاء إليها اثنان من البدو بصديق ثالث ليستمع الى الكتاب المقدس , وعندما سألتهما عن سبب إحضاره , أخبروها انه قبطي مثلها , وهم أصدقاء له وأرادوا أن يستمتع بالسماع الى الكتاب المقدس مثلما يستمتعان هما بالاستماع الى القرآن الكريم .

الأنبا أبرام

 خصص ليدر فصلا كاملا في كتابه عن الأنبا أبرام أسقف مديرية “الفيوم” الذي أشتهر بزهده وقدرته على علاج الأمراض وتعجب ليدر من الحشود التي تأتيه  يوميا , ولم يكن تعجبه من عددها ولكن أنه كان بينهم مسلمون قد أتوا للحصول على الشفاء وبركات القس موضحا أن عدد المسلمين كان يتساوى مع عدد المسيحيين , وعندما سألهم ليدر عن أسباب قدومهم الى رجل دين مسيحي كانوا يقولون “إنه رجل طيب , وإن الرجال الطيبين جميعهم مقبولون من الله , فالأسقف يصلي لله كما يصلون , وهو تلميذ سيدنا عيسى عليه السلام ” .

الأنبا أبرام

 

اللورد كرومر

و ذكر ليدر في كتابه شهادة اللورد كرومر عن رؤيته للمسيحيين والمسلمين في مصر و التي دونها في كتابه “مصر المعاصرة ”  قائلا “إن الفرق الوحيد بين المسيحي والمسلم هو أن الأول مصري يتعبد في الكنيسة , والثاني مصري يتعبد في المسجد”

اللورد كرومر

كيريالسيون .. الله أكبر

ويؤكد ليدر في كتابه أن المسيحيين والمسلمين  كانوا باستمرار شركاء في المحن , وأشد الأوقات فعند انخفاض منسوب النيل كانت الأمة كلها تصلي لله كي يعيد ملء النيل بالماء صائحين في نفس واحد ” كيريالسيون .. الله أكبر ” .

زراعة الكراهية

وانتقد ليدر الكتاب الأنجليز لأنهم سجلوا كل ما قيل لهم على نحو غير نقدي دون تحري الدقة , وهو يرى أن الكتاب الأنجليز أكثر من أضروا مسيحيي مصر بتركيزهم على صراعات الماضي والتفخيم في الأقباط ونسب أعمال وفضائل لهم لم تحدث من الأساس قائلا “إنهم يبقون على الكراهية الى الابد وإنهم  لم يفشلوا في مساعدة القضية القبطية فحسب , بل أعاقوها “

مستشهدا بشهادة البروفيسور “سايس” الذي قال “عندما عرفت مصر لأول مرة , في أيام ما قبل الاحتلال الانجليزي , لم يكن هناك وجود لعداء بين المسيحيين والمسلمين , فقد كانوا جميعا سواء, مصريين”

مؤكدا  أنه رأى كنائس بنيت بيد عمال مسلمين ومسجدا بناه صاحب أطيان مسيحي قبل الاحتلال بعام أو عامين

س . هـ . ليدر



 تعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

CONTENT MAK Company
الهمة
 كبريتة | حنولعها  محطتك إلى المشاهدة الرايقة .. مستقبل التلفزيون