رئيس التحرير : أسامة الشاذلي

إصدار تجريبي

عن طفولتنا التي لعب بها “20 سبتمبر”

img
img

مصطفى الكيلاني

ماذا نصنع لو عدنا أطفالاً؟؟

تساؤل طاردني منذ مشاهده الأولى في فيلم “20 سبتمبر – هدية من الماضي”، الفتاة التي تقود سيارتها، وبجانبها والدها السبعيني، الذي يستمع لأغنياته القديمة، ويغني معها، ويمارس ألعاباً طفولية، أوقعتنا في حبه، وفي براثن الفيلم من أول لحظة.

الفيلم الذي حاز اعجاب كل من شاهده، وجعل قاعة سينما زاوية تضج بالضحكات، مع ذلك الرجل الذي يبحث عن مستقبله قبل أيام من عيد ميلاده الخامس والسبعين، وابنته تبحث عن ماضيه، فحجزت لهما تذكرتي طائرة إلى روما، لكي تحتفل بعيد ميلاده، في رحلة بحث عن حبيبته الإيطالية، التي تركها وسافر إلى مصر على وعد بالعودة إليها، ولكنه لم يعد، وعاش طول عمره بعقدة ذنب، إحساس ظهر جلياً في مشاهد كثيرة، هو يريد أن يطهر صورته التي لوثها بترك فتاته قبل 33 عام، وخالف وعده لها بالزواج.

لعبت المخرجة كوثر يونس بكاميرا خفية في معظم لقطات الفيلم الأولى، ولم توضح طوال ساعة و20 دقيقة، متى أعلنت لوالدها انها تقدم فيلمها عنه، لم تزعجني لقطات الكاميرا، التي تبتعد تماماً عن الشكل التقليدي لأي تكوين كادر، فهي لم تقدم صورة معتادة، الطفل الذي بداخل كوثر، لم يتلاعب فقط بالطفل السبعيني، ولكنه راقص الفتى اللعوب الراقد في داخل كل منا.

مشاعر نعيشها كل حين، ونخفيها دائما، طفلنا اللعوب تراقص أمامنا على الشاشة، لم تخف كوثر لقطات قد تكون خاصة جداً لوالدها، صراخه، وخوفه من التجربة، ومشاعره نحو الماضي، التي قد تزعج والدتها، زوجة ذلك الطفل الحالية، لم تخف كوثر حتى شخيره، عرضته كما هو، وشاركته في ألعابه وعصبيته، ومع كل لحظاتهما الجميلة والصعبة، كانت دائما في يدها الكاميرا، كأنها سلاح سحري، سيحميها في تجربتها، مع ذلك الأب الطفل.

عندما نزلت تترات الفيلم في سينما زاوية، كنت متأكداً من وجود الدكتور مختار يونس، بطل الحدوتة بيننا، كانت روحه المرحة تطغى على القاعة، وكان توقعي في محله، أضاءت القاعة، ووجدته يقف من الصف الأوسط ليحيي الجمهور، الذي صفق طويلا، وظهرت المخرجة كوثر يونس، فطال التصفيق لدقائق عدة، لم يكن التصفيق لشحنة السينما الموجودة بطزاجة داخل الشريط السينمائي “20 سبتمبر”، ولكن لقدرة تلك العائلة على مكاشفتنا بروحهم الجميلة، وتفاصيلهم الخاصة، على شاشة سينما تلاعبت بنا معهم، وأطلقت فينا مشاعر عدة.

لا أستطيع أن اناقش “20 سبتمبر” بصرياً، ولا حتى أفكر أن أضعه على ميزان النقد، الفيلم من أولى لقطاته كتلة من المشاعر المتراصة، التي تقتحمنا بدون أي قدرة منا على مقاومتها، فوقعنا جميعاً في حب ذلك الطفل السبعيني، وابنته الجميلة ذات العشرين ربيعا، لعبنا معهم ألعابهم، وخرجنا حتى من مراقبة الكادرات المقصوصة، بسبب ان معظم الفيلم تم تصويره بكاميرا خفية، إلى براح أكبر من ذلك، حالة واضحة من التماس بيننا وبين شخصية دكتور السينما مختار يونس في بحثه عن حبيبته القديمة، كنا اقرب لـ “سعيد”، ذلك الإيطالي المصري، الذي قابلهما في المطار، وعرف مقصدهما من الرحلة، فشاركهما فيها، وتداخل معهما حتى في شجارهما، وشاهدت دموعاً في عينيه عند لقاء يونس وحبيبته القديمة.

لم أستطع الخروج من الحالة التي تركها الفيلم داخلي حتى كتابة تلك السطور، وأظن انه علامة فارقة في السينما التسجيلية الجديدة.

كوثر يونس جعلتني أتمنى أن يرزقني الله بابنة تعتني بالطفل الراقد داخلي حينما أصل للسبعين.

 تعليقاتكم

  1. تحليل جاذب جدا.. لم أشاهد الفيلم.. اتمنى المشاهدة فقط من أجل انتقاءك للعبارات التي استخدمها في التحليل… جديد… جديد… تحياتي

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*