رئيس التحرير : أسامة الشاذلي

إصدار تجريبي

طرف طرحة جدتى

img
img

محمد عبد المبدي

لم أكن محظوظاً لأراها فى نهايات شبابها أو فى كهولتها .. لكن عايشتها بعدما دخلت بوابة الثمانين وجاوزتها بخطوات.

كان قطار الزمن قد اتخذ من تجاعيد وجهها لنفسه قضباناً يمر عليها، وناء بحمل أكثر من ثمانين عاماً ظهرها فانحنى واتخذ من الركوع وضعاً افتراضيا أثناء وقوفها كأنها  فى صلاة دائمة ، أثر طول السير والمسير على رجليها فوهنت وضعفت وعجزت عن المشى لأكثر من بضع خطوات متواصلة ، تحتاج بعدها لاستراحة ، هكذا تعرفت على جدتى عندما بدأت أعلم من أمرى شيئاً.

لكنها استطاعت أن تنتزع من تحت عجلات الزمن ، عينان ، على نورهما تلضم الخيط فى سم الإبرة ، وأنفٌ تنتصب على وجهها تشهد على جمالٍ مكث هنا زمناً ثم رحل ، كما تقطر كبرياءاً وأنفة فى الفاضية والمليانة ، وأضراس قادرة على تحويل نصف كيلو من الفول الحى لفول مجروش.

لم أرها ويداها تغوصان فى العجين، الذى يتحاكون عن شطارتها فى تحويله لعدد من الأرغفة الشمسى ، ولم أحظى بمراقبتها وهى تمرر النشابة فوق قطعة العجين ولا أعظم عازف كمان يبدع سيمفونية موسيقية ، ليخرج من تحت يدها أجمل فطير مشلتت ممكن تأكله – هكذا يتسامرون- ، لم أكن سعيد الحظ لأتناول من يدها فتة الفطيرالشهيرة .. الكل يحكون ويتحاكون عن شطارتها وعن طعامها وأكلاتها ويترحمون على أيام شبابها، وأنا ألعن السنين التى حالت بينى وبين حرفتها.

أجبرتها السنون على التخلى عن بردتها – ذلك الرداء النسائي الثقيل المغزول من الصوف- واستعاضت عنه بطرحه خفيفة من الحرير ، تضعها فوق رأسها فتلامس قدميها أطرافها  ، كانت لى فى أيام الشقاوة إذ حانت لحظة العقاب على خطأ اقترفته ملاذاً وحصنا. إذا استجرت بها ، سبلت علىّ طرف طرحتها فخمرنى، وكان ذلك بمثابة إعلان حماية وأنى صرت فى ذمتها وجوارها فلا تصلنى يد، حتى وإن كانت يد أبى الطولي ولا يلحقنى أذى .. وإذا ما هدأت العاصفة وانجلى غبار المعمعة سحبتني من يدي وتوكأتنى ، ودخلت عليهم وأخذت لى العهد والأمان وقطعت عليهم ” أجازة بأربعة وأربعين يمين ما حد يحفنى/يلمسنى”

فى تلك الليالى الباردة من الشتاء ، ما أن يحل الظلام ونلتهم عشائنا حتى نتقافز فى الهواء فرحين ، تنزل إيدينا طرقاً على بابها تذكيراً بعادتها الليلية ” يا جدة هنقيدوا/ هنولعوا دلوقتى ” تطالبنا بالإنتظار حتى تفرغ من صلاة العشاء ، لكن ضجيجنا يجبرها على إطلاق إشارة البدء ، فنتسابق فى تحضير أدوات التدفئة من جدوال/جلة البهائم أو قوالح الذرة أو حطب القطن ، مع جرعة قليلة من الكيروسين وعود كبريت ، تتحلق جدتى ونساء العائلة النار، تحت سقف الطنبور – المساحة الكامنة خلف البوابة الكبيرة التى تفصل بين الشارع والدرب الطويل المفضى لبيوت العائلة ، وتَنغلق عليه كل ليلة ، حولهن نتقافز نحن الأطفال ، مرة نلعب ، وتارة نتدفء بالنار، وأخرى نعبث بجذوتها فينهرننا.

ما أن يسرى الدفء فى عظامهن النخرة، يسترسلن فى الحكايات والحواديت والذكريات ، أنا أطفل.. إذاً أنا أعشق الحواديت الحكايات.

على لهب النار تستوى الحكايات وتنضج الروايات، ومن وسط الرماد تنهض الإشاعات وتنمو الخرافات وتكبر.

تتقد النار ، فتتقد أذهانهن أكثر بالذكريات والحواديت ، يجتررن الذكريات فيعيدن مضغها ، وتلوك الألسن الحكايات ، وتسيل الأحاجى من أفواههن كما اللعاب.

بينهن من تحفظ من الأحاجى والحواديت ما يؤهلها لتلعب دور الأمينة على التراث والمسئولة عن نقله وتسليمه للأجيال التالية ، تنطلق فى السرد بعدما تقول ” حَجِتْكُم أنا ” التى يجب أن نرد عليها بعبارة ” خير وهَنَا ” تطلق العنان لخيالها ونصيخ نحن أذاننا ونجلس وكأن على رؤسنا الطير نستمع لحكايات العفاريت وأمنا الغولة والزريزر الاخضر وست الحسن والجمال.

عواجيز الصعيد لم يعرفن من وسائل التسلية والترفيه شيئاً، فاتخذن من الأحاجى والحواديت وسائل للتسلية وشغل الفراغ.

ليل الشتاء على العواجيز طويل ، لذا يقصرونه بالسمر والحكايات والحواديت، تحتل سيرة خلق الله مكانة القلب فى جسد حكاياتهن وسمّارهن. يتشاركن الأسرار تحت شعار ” الحكاوى مع بعضينا” التى ترددها من تفضى بالسر، تحذيراً من إفشاءه ..  يصير الشعار جزءاً من الرواية بعدما تعيد تردديه من سمعته مع أخرى تسر لها نفس السر ، وهكذا دواليك حتى يفقد السر سريته.

أتسمر بينهن، أتدفء بحرارة جذوة النار المستعرة بعد انطفاء اللهب ، وسحر الحكايات والحواديت والأحاجى، فيسرى دفء النار فى عظمى وحرارة سحر الحواديت فى دمى ، تسترخي أعصابي، يهاجمني النعاس بضراوة ، أغالبه فأغلِبَه ، أتجاهل توسلاتهن للذهاب للنوم كأى طفل عنيد ، أرفض ترك دفء وهج النار ودفء حرارة سحر الحواديت والحكايات ، أخيراَ يغلبني النعاس ، فيستقر المقام برأسى على رجل جدتى فترخى علىّ طرف طرحتها لتَقيني البرد والصقيع .. فعلى وهج وصهد النار وحرارة وسحر الحواديت والحكايات يبيت النعاس ليلته على جفونى ولا يستيقظ إلا صباحاً وأنا فى الفراش لأدرى كنه الأيدى التى حملتنى إليه.

هم يحكون ويترحمون على شطارتها ومهارتها ، وأنا أحكى وأترحم على محبتها وحنيتها وطبطبتها ، وهذا يكفينى.

 تعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*